إلى مقام الملائكة فيكون ملكا منزها من ألواث الطبيعة ومبرئ من حوائج البشرية
ونقائصها فلا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا يقع في تعب اكتساب الرزق . فهذه
هي جهات الفضل التي تزعمون أن الرسول يجب أن يؤتاها ويمتلكها ، وقد
أخطأتم ، فلبس للرسول إلا الرسالة . وإني لست أدعي شيئا من ذلك ، فلا أقول
لكم عندي خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ، وبالجملة لست
أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعونه حتى تكذبوني بفقده ، وإنما أقول فقط : إني
على بينة من ربي تصدق رسالتي ، وآتاني رحمة من عنده ( 52 ) .
وبعد أن حطم عليه السلام الوثنية في أساطيرهم ، بدأ في تحطيم ميزانهم
الذي أقاموه . بدلا من سنة العدل الاجتماعي ، وبه قاموا بتصنيف خلق الله
فقال : ( ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في
أنفسهم . . . ) قال المفسرون : هذا الفصل إشارة إلى ما كان يعتقده الملأ
الذين كفروا من قومه . وبنوا عليه سنة الأشرافية وطريقة السيادة . وهو أن أفراد
الإنسان تنقسم إلى قسمين . الأقوياء والضعفاء ، أما الأقوياء فهم أولو الطول
المعتضدون بالمال والعدة . وأما الضعفاء فهم الباقون . الأقوياء هم السادة في
المجتمع الإنساني ، ولهم النعمة والكرامة ، ولأجلهم انعقد المجتمع ، وغيرهم
من الضعفاء . . . مخلوقون لأجلهم ، وبالجملة كان معتقدهم أن الضعيف في
المجتمع . . . إنسان منحط أو حيوان في صورة إنسان . وهو داخل المجتمع
يشارك في الحياة ليستفيد الشريف من عمله وينتفع من كده ، والضعيف في
المجتمع محروم من الكرامة ، مطرود عن حظيرة الشرافة . . فهذا هو الذي كانوا
يرونه ، وكان هو المعتمد عليه في مجتمعهم وقد رد نوح عليه السلام ذلك . وبين
خطأهم في معتقدهم بقوله : ( الله أعلم بما في أنفسهم ) أي أن أعينكم إنما
تزدريهم وتستحقرهم ، وتستهين أمرهم . لما تحس ظاهر ضعفهم وهوانهم ،
وليس هذا الأساس في إحراز الخير ونيل الكرامة ، بل الأساس في ذلك أمر النفس
وتحليها بحلي الفضيلة ، ولا طريق لي ولا لكم إلى العلم ببواطن النفوس وخبايا
القلوب ، فلله وحده ذلك ، وليس لي ولا لكم أن نحكم بحرمانهم من الخير
هامش
( 52 ) الميزان : 209 / 10 .