الرغم من وجودهم في دائرة العجز ، لم يؤمنوا وكذبوا نوحا عليه السلام .
1 - استعجال العذاب :
رغم عجز القوم وعدم تحقيقهم أي تقدم للقضاء على نوح عليه السلام ،
إلا أن استكبارهم أغراهم للقيام بمهمة أليمة تدفع بهم إلى يوم أليم . وهذه
المهمة هي اتفاق الأشراف والكبراء على طلب العذاب من نوح : ( قالوا يا نوح
قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فآتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) ( 58 ) لقد جاءهم
بالبينة ليثبت صدقه ، ولكنهم أعرضوا عنها ، وجاءهم بالتحدي ليثبت صدقه ، فلم
يقدروا عليه وكذبوه ، وها هم يطالبوه بأن يأتيهم بالعذاب ليثبت صدقه ، يقولون
هذا وعندما سيأتيهم العذاب لن يستطيعوا حتى التنفس ، يقول المفسرون : لقد
قالوا هذا بعد أن عجزوا عن دحض حجته ، وأخفوا هذا العجز في ثياب
الجبابرة ، ومعنى قولهم والله أعلم : يا نوح قد جادلتنا . فأكثرت جدالنا ، حتى
سئمنا ومللنا ، وما نحن لك بمؤمنين ، فآتنا بما تعدنا من العذاب ، أي ما أنذرتنا
به في أول دعوتك من عذاب يوم أليم .
فكان رد نوح عليه السلام على طلبهم للعذاب : ( قال إنما يأتيكم به الله إن
شاء وما أنتم بمعجزين ) : أي أن الإتيان بالعذاب ليس إليه ، فما هو إلا رسول ،
إنما الإتيان به إلى الله سبحانه ، لأنه تعالى هو الذي يملك أمرهم ، ولقد وعدهم
بالعذاب بأمره تعالى ، لأن إليه مرجعهم كله ، ولا يرجع إلى نوح من أمر التدبير
شيئا ، فالله سبحانه إن يشأ يأتيهم بالعذاب ، وإن لم يشأ فلا ( 59 ) .
2 - الدعاء المستجاب :
إن المجتمع الذي يصادر الحقائق ويستعبد العباد ويطلب العذاب ، لا
يمكن أن يقود قافلة إلى الهدى . لقد أعرضوا عن العبادة الحق ، وقد دعاهم نوح
عليه السلام إليها ليلا ونهارا من غير فتور ولا توان ، فقابلوه بجعل أصابعهم في
آذانهم وغطوا رؤوسهم ووجوههم بثيابهم لئلا يروا نوحا ، واستكبروا عن قبول
الدعوة استكبارا عجيبا ، كما دعاهم عليه السلام سرا وعلانية ، وطالبهم
هامش
( 58 ) سورة هود ، الآية : 32 .
( 59 ) الميزان : 215 / 10 .