ففي بيانه تعريض لهم أنه قد تمت عليهم الحجة . وبانت لهم الحقيقة .
فلم يؤمنوا . لكنهم مع ذلك يريدون أمرا يؤمنون لأجله ، وليس إلا الإجبار والإلزام
على كراهية ، فهم في قولهم : لا نراك إلا بشرا مثلنا . . لا يريدون إلا الإجبار ،
ولا إجبار في دين الله ، والآية من جملة الآيات النافية للإكراه في الدين ، وتدل
على أن ذلك من الأحكام الدينية المشرعة في أقدم الشرائع ، وهي شريعة نوح
عليه السلام ، وهذا الحكم باق على اعتباره حتى اليوم من غير نسخ ( 46 ) . وقد
ظهر مما تقدم أن الآية ( يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة . . . ) جواب عن
قولهم : ( لا نراك إلا بشرا مثلنا . . . ) ويظهر بذلك فساد قول البعض إنه
جواب عن قولهم : ( بل نظنكم كاذبين ) أو قول آخرين إنه جواب : ( ما نراك
اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ) أو غير ذلك ( 47 ) .
لقد أقام نوح عليه السلام الحجة عليهم من أول يوم في بعثته . ولكن الذين
كفروا لم يكن عندهم استعداد للوقوف في مجرى الرحمة الإلهية ، والوقوف في
مهب النفحات الربانية ، لهذا لم ينفعهم ما يشاهدونه من آيات الله . وما يسمعون
من مواعظ نوح . وما تلقنه لهم فطرتهم من الحجة والبينة . لقد نظروا بعيون العناد
وفكروا بعقول الاستكبار ، ثم طالبوا نوحا أن يثبت لهم أنه مبعوث إليهم . وكيف
السبيل إلى ذلك وهم نزلوا بأسماعهم وبأبصارهم وبطونهم المنزلة التي في
الأنعام . واستعملوها فيما تستعملها فيه الأنعام وهو التمتع من لذائذ البطن
والفرج . ومنزلة الأنعام التي نزلوا إليها أرفع منهم وأقوم ، لأن الأنعام مهتدية
بحسب تركيبها وخلقها . غير ضالة لأنها تسير على الطريق الذي خلقت لأجله .
أما هؤلاء فقد قطعوا شوطا طويلا في عالم الضلال والغفلة وألقوا بإنسانيتهم في
أسفل سافلين . وكل هذا من أجل حفنة من زخرف الحياة . لونها لهم الشيطان
وغواهم بها .
2 - الدفاع عن الإنسان :
لقد اتهموا نوحا عليه السلام بأنه يريد بدعوته أن يتفضل عليهم ويترأس
فيهم وينال هو وأتباعه ما بأيديهم من أموال وثروات ، فكان جوابه على هذا :
هامش
( 46 ) الميزان : 207 / 10 .
( 47 ) الميزان : 207 / 10 .