والسعادة ( 53 ) .
لقد حطم عليه السلام بحججه أصنام التحقير والانتقاص . وبين لهم أنه لا
يدعي شيئا مما يتوقعونه من رسالته ، فليس للرسول إلا الرسالة وقد قدم لهم ما
يثبت صدقه في أنه رسول من الله رب العالمين . لكنهم نظروا إلى البينة والرحمة
بعيون الاستكبار فعميت عليهم . ثم أخبرهم أن الضعفاء الذين لهم هوان عندهم
لم يؤمنوا طمعا في مال عنده . لأنه لا يملك هذا المال بدليل أنه لم يسألهم
أموالهم ولم يدع أنه يملك خزائن الرحمة وعلم الغيب ، وبين لهم أن الله تعالى هو
العليم بما في الصدور . وأن ملاك الكرامة الدينية والرحمة الإلهية زكاء النفس
وسلامة القلب ، فمن الجائز أن يعلم الله من نفوس هؤلاء الضعفاء خيرا فيؤتيهم
خيرا ، ولا ينبغي أن يقال لن يؤت الله هؤلاء خيرا ، لأن القول بهذا ظلم يدخل
صاحبه في زمرة الظالمين . لقد قال نوح عليه السلام هذا وهو يدعوهم إلى
التوحيد ، كان يخاصمهم ويحاجهم بفنون الخصام والحجاج حتى قطع جميع
معاذيرهم وأنار الحق لهم على امتداد مئات من السنين . ولكن كفار قومه أصروا
على التكذيب وعبادة الأوثان وتحقير الإنسان .
* رابعا : الاضطهاد والتحدي :
أمام حجج نوح عليه السلام ، رفع طابور الكفر لافتة تتهم نوحا بالجنون .
يقول تعالى : ( فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) ( 54 ) قال المفسرون : في
التعبير عن نوح عليه السلام بقوله تعالى : ( عبدنا ) تجليل لمقامه وتعظيم لأمره
وإشارة إلى أن تكذيبهم له يرجع إليه تعالى ، لأنه عبد لا يملك شيئا ، وما له فهو
لله ، ولم يقتصروا على مجرد التكذيب ، بل نسبوه إلى الجنون ، فقالوا : هو
مجنون ، وازدجره الجن ، فلا يتكلم إلا عن زجر وليس كلامه من الوحي
السماوي في شئ ، وقيل المعنى : ازدجره القوم عن الدعوة والتبليغ بأنواع
الايذاء والتخويف ( 55 ) . وأمام سياسة الإرهاب هذه واجه نوح عليه السلام قومه
هامش
( 53 ) الميزان : 214 / 10 .
( 54 ) سورة القمر ، الآية : 9 .
( 55 ) ) الميزان : 68 / 19 .