زادهم إلا نفورا ) ( 60 ) قال المفسرون : حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يكونوا
أهدى من إحدى الأمم التي جاءهم نذير . فلما جاءهم تباعدوا عنه وهربوا ! فهذا
الخط من خطوط الصد وضع في طريق الدعوة العديد من العراقيل دفاعا عن أهوائه
وطريق آبائه . نفورهم واستكبارهم لا يقودهم إلا إلى السنة الجارية في الأمم
الماضية ، وهي العذاب الإلهي ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، والله تعالى يبعث
الرسل لإقامة الحجة ، ولكن لا يكون للناس على الله حجة . وحط الصد في مكة
لبس الحجة كاملة وهو يقف على خنادق الانحراف والشذوذ . يقول تعالى :
( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل
الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل
علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم
ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ) ( 61 ) .
فالذي يسمك بحجر ويقف على خندق من خنادق الصد أقيمت عليه الحجة
بالدعوة ، ولا يبالي الله به في أي واد هلك ، ولم يكن حال أهل الكتاب بأحسن
من حال كفار قريش ، فلقد شاركوهم خطوط الصد ولكن كل حسب طريقته .
وأهل الكتاب كانوا يستفتحون ويستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وآله
وسلم . فلما بعثه الله كفروا به وحسدوه قال تعالى : " ولما جاءهم كتاب من عند
الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما
عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " ( 62 ) وأهل الكتاب تصدروا خطوط الصد
بعد هجرة الرسول إلى المدينة ولذا كانت آيات القرآن التي نزلت على رسول الله
في المدينة لتكشف كيدهم أكثر مما نزل عليه في مكة . وباختصار لقد وقف في
وجه الدعوة جميع أبناء الشذوذ والانحراف الذين استقامت أهواؤهم مع أهواء
الظالمين في الأمم الماضية من عهد نوح عليه السلام ، ولقد قدمت الدعوة
الإسلامية إلى هؤلاء الدواء الشافي من كل داء لنخرجهم من الظلمات إلى النور
فمنهم من آمن ومنهم من كفر .
هامش
( 60 ) سورة فاطر ، آية : 42 .
( 61 ) سورة الأنعام ، الآيات : 155 - 157 .
( 62 ) سورة البقرة ، الآية : 89 .