وقوله : ( وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإننا يهتدي لنفسه ) أي أمرت أن
أقرأ القرآن عليكم . فمن اهتدى بهذا القرآن فالذي ينتفع به هو نفسه ، ولا يعود
نفعه إلي . ومن لم يهتد به بالإعراض عن ذكر ربه . وهو الضلال . فعليه ضلاله
ووبال كفره لا علي . لأني لست إلا نذرا مأمورا بذلك ولست عليه بوكيل والله هو
الوكيل عليه ( 66 ) . وأمام معسكر الانحراف تلى الرسول الأعظم قول الله تعالى :
" وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا
ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير " ( 67 ) قال
المفسرون ، أي آمنت بالكتب السماوية التي نزلها الله على رسله . وأمرت أن
أعدل بينكم أي أسوي بينكم . فلا أقدم قويا على ضعيف ولا غني على فقير ولا
كبير على صغير ولا أفضل أبيض على أسود ولا عربي على عجمي ولا هاشميا أو
قرشيا على غيره ، فالدعوة متوجهة إلى الجميع والناس قبال الشرع الإلهي سواء .
فقوله : ( آمنت بما أنزل الله من كتاب ) تسوية بين الكتب المنزلة من حيث
الإيمان بها وقوله : ( وأمرت لأعدل بينكم ) تسوية بين الناس من حيث الدعوة
وما جاء به الشرع وقوله : ( الله ربنا وربكم ) يشير إلى أن رب الكل هو الله
الواحد تعالى وفليس لهم أرباب كثيرون حتى يلحق كل بربه ويتفاضلوا
بالأرباب ، بل الله هو رب الجميع ، وهم جميعا عباده المملوكون له المدبرون
بأمره وقوله : ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) يشير إلى أن الأعمال وإن اختلفت
من حيث كونها حسنة أو سيئة ومن حيث الجزاء . ثوابا أو عقابا إلا أنها لا تتعدى
عاملها . فلكل امرئ ما عمل . فلا ينتفع أحد بعمل آخر . ولا يتضرر بعمل غيره
وقوله : ( لا حجة بيننا وبينكم ) أي لا خصومة بيننا وبينكم بتفاوت الدرجات .
لأن ربنا واحد . ونحن لأننا جميعا عباده ولكل نفس ما عملت ، فلا حجة في البين . أي لا خصومة حتى نتخذ لها حجة ( 68 ) .
هذا هو شرع النبي الأعظم الذي أذاع معسكر الانحراف على الغوغاء
والرعاع على امتداد الزمان أنه بدأ بالسيف وكان القهر عنوانه ، هذا هو محمد
هامش
( 66 ) الميزان : 404 / 15 .
( 67 ) سورة الشورى ، الآية : 15 .
( 68 ) الميزان : 34 / 18 .