كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام ( 58 ) .
قال الحسين : فسألت أبي عن سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، فقال : كان سكوته على أربع : على الحلم والحذر والتقدير والتفكير .
فأما التقدير ، ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس . وأما تفكره ففيما يبقى
ويفنى وجمع له الحلم والصبر . فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه . وجمع له
الحذر في أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه . واجتهاده
الرأي في صلاح أمته . القيام فيما جمع له خير الدنيا والآخرة ( 59 ) وما أوردناه ما هو
إلا بعض من صفات النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي وصفه الله بأنه
على خلق عظيم . وصاحب هذه الخلق العظيم هو الذي قدر الله تعالى أن تكون
هداية البشرية على يديه بما أنه خاتم الأنبياء والرسل . فهو صلى الله عليه وآله
وسلم الذي يشير إلى قوافل الضلال والانحراف بمصباح الهدى كي يخرجهم من
الظلمات إلى النور ، فمن استجاب فقد فاز ، ومن أمسك بذيول آباء الضلال
والانحراف فقد هلك والله غني عن العالمين .
ثانيا : الدعوة إلى الهدى :
1 - معسكرات الانحراف :
لم يكن طريق الدعوة بالطريق السهل . فالانحراف كان شاسعا وعميقا ، وعلى امتداد ليلة ظهرت له مخالب وأنياب تدافع عن الأهواء والشذوذ ، فأهل مكة
كانوا قد أقسموا قبل إرسال الرسول إليهم ، لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من تلك
الأمم التي كذبوا رسلهم ، وعندما جاءهم الرسول النبي الأمي الذي لم يعهدوا فيه
إلا كل خلصة كريمة ، نسوا ما كانوا قد أقسموا به من قبل وغاصوا في مستنقعات
الأوحال على دروب الانحراف . ومن داخل الأوحال قذفوا أتباع الهدى بجميع ما
يستقيم مع ثقافة الانحراف . يقول تعالى عن خط الصد في مكة : ( وأقسموا بالله
جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما
هامش
( 58 ) حتى يجوز : أي يتعدى عن الحق فيقطعه حينئذ بنهي أو قيام .
( 59 ) الميزان : 306 / 6 وما بعدها .