صلى الله عليه وآله وسلم الذي صد عن سبيله رموز الانحراف والشذوذ الذين
توغلوا في عالم الطمس والقردية واستمع إليهم القردة والخنازير في كل مكان .
لقد جاء ليقول : " أمرت " ولم يرفع سيفا إلا بأمر وذلك بعد أن خرج عليه
أصحاب المخالب والأنياب يريدون إطفاء نور الله . ولكن أبي الله إلا أن يتم
نوره . لقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيله في مكة في قوله تعالى :
" قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك
له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل
شئ " ( 69 ) قال المفسرون : أمره الله أن يخبرهم بأن ربه الذي يدعو إليه . هداه
بهداية إلهية إلى صراط مستقيم وسبيل واضح قيم . لا تخلف فيه ولا اختلاف .
دينا قائما على مصالح الدنيا والآخرة أحسن القيام ، لكونه مبنيا على الفطرة ملة
إبراهيم حنيفا . مائلا عن التطرف بالشرك إلى اعتدال التوحيد وما كان من
المشركين . وأمره تعالى أن يخبرهم بأنه عامل بما هداه الله إليه . كما أنه مأمور
بذلك . ليكون أبعد من التهمة عندهم وأقرب إلى تلقيهم بالقبول . فإن من أمارة
الصدق أن يعمل الإنسان بما يندب إليه ويطابق فعله قوله . فقال له سبحانه قل :
إنني جعلت صلاتي ومطلق عبادتي ومحياي بجميع ما له من الشؤون الراجعة إلي
من أعمال وأوصاف وأفعال وتروك . ومماتي بجميع ما يعود إلي من أموره وهي
الجهات التي ترجع منه الحياة . جعلتها كلها لله رب العالمين . من غير أن أشرك
به فيها أحدا . فأنا عبد في جميع شؤوني : في حياتي ومماتي لله وحده وجهت
وجهي إليه . لا أقصد شيئا ولا أتركه إلا له . ولا أسير في مسير حياتي ولا أرد
مماتي إلا له . فإنه رب العالمين . يملك لكل ويدبر أمرهم . وقد أمرت بهذا
النحو من العبودية . وأنا أول المسلمين به فيما أراده من العبودية التامة في كل باب
وجهة ( 70 ) .
فهل في سبيل رسول الله إكراه كما أشاعت جماهير الطمس على طريق
القهقري ؟ " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله
هامش
( 69 ) سورة الأنعام ، الآيات : 161 - 164 .
( 70 ) الميزان : 394 / 7 .