روحا ، وهذه النفس المأخوذة هي التي يتوفاها الله ويأخذها حين موتها كما قال
تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) ( 230 ) وهذه النفس هي التي يخبر عنها
الإنسان بقوله : ( أنا ) وهي التي بها تتحقق للإنسان إنسانيته . وهي التي تدرك
وتريد وتفعل الأفعال الإنسانية بواسطة البدن ، بما له من القوى والأعضاء المادية .
وليس للبدن إلا أنه آلة وأداة تعمل بها النفس أعمالها المادية ، ولمكان الاتحاد
الذي بينها وبين البدن ، يسمى باسمها البدن ، وإلا فأسماء الأشخاص في
الحقيقة لنفوسهم لا لأبدانهم . وناهيك في ذلك التغير المستمر الذي يعرض
البدن مدى الحياة ، والتبدل الطبيعي ، الذي يطرأ عليه حينا بعد حين . حتى ربما
تبدل البدن بجميع أجزائه إلى أجزاء أخر تتركب بدنا آخر . فلو كان زيد مثلا هو
البدن الذي ولدته أمه يوم ولدته ، والاسم له ، لكان غيره وهو ذو سبعين وثمانين
قطعا والاسم لغيره حتما ، فهذه وأمثالها شواهد قطعية على أن إنسانية الإنسان
بنفسه دون بدنه . والأسماء للنفوس لا للأبدان ، يدركها الإنسان ويعرفها
إجمالا ، وإن كان ربما أنكرها في مقام التفصيل ، وبالجملة فالآية ( اليوم
ننجيك ببدنك ) كالصريح أو هو صريح في أن النفوس وراء الأبدان ، وأن
الأسماء للنفوس دون الأبدان . إلا ما يطلق على الأبدان بعناية الاتحاد . فمعنى
( ننجيك ببدنك ) نخرج بدنك من اليم وننجيه . وهو نوع من تنجيتك . لما بين
النفس والبدن من الاتحاد القاضي بكون العمل الواقع على أحدهما واقعا بنحو
على الآخر . . وهذا بوجه نظير قوله تعالى : ( منها خلقناكم وفيها
نعيدكم ) ( 231 ) فإن الذي يعاد إلى الأرض هو جسد الإنسان دون الإنسان التام
فليست نسبة الإعادة إلى الإنسان إلا لما بين نفسه وبدنه من الاتحاد . وقد ذكر
بعضهم أن مفاد قوله : ( ننجيك ) أن يكون فرعون خارجا من اليم حيا ، وقال
البعض الآخر . إن المراد بالبدن الدرع وكان لفرعون درع من ذهب يعرف به
فأخرجه الله فوق الماء بدرعه ، والحق أن هذا كله تكلف لا حاجة إليه . فلم
يقل : ( ننجيك ) وإنما قال ( ننجيك ببدنك ) ومعناه ننجي بدنك والباء للآلية
أو السببية . والعناية هي الاتحاد الذي بين النفس والبدن . وقال البعض :
هامش
( 230 ) سورة الزمر ، الآية : 42 .
( 231 ) سورة طه ، الآية : 55 .