الموت والبعث - وثالثا أن التعذيب في البرزخ ويوم تقوم الساعة بشئ واحد ، وهو
نار الآخرة ، لكن البرزخيين يعذبون بها من بعيد وأهل الآخرة بدخولها .
والمعنى : وحاق بآل فرعون سوء العذاب إذ يتحاجون في النار ، أو . . واذكر من
سوء عذابهم إذ يتحاجون في النار ، فيقول الضعفاء منهم . للذين استكبروا . إنا
كنا في الدنيا لكم تبعا . وكان لازم ذلك أن تكفونا في الحوائج وتنصرونا في
الشدائد ولا شدة أشد مما نحن فيه . فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار . وإن لم
يكن جميع عذابها فقد قنعنا بالبعض . وهذا ظهور مما رسخ في نفوسهم في الدنيا
من الالتجاء بكبريائهم ومتبوعيهم من دون الله . يظهر منهم ذلك يوم القيامة . وهم
يعلمون أنهم في يوم لا تغني فيه نفس عن نفس شيئا ، والأمر يومئذ لله . فيقول
مستكبروهم : إن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل ، فالأسباب ساقطة عن التأثير ، وقد
طاحت منا ما كنا نتوهمه لأنفسنا في الدنيا من القوة والقدرة ، فحالنا وحالكم ونحن
جميعا في النار واحدة ، ولسنا نختص دونكم بقوة حتى نغني عنكم شيئا من
العذاب ومما قيل في الآية : إن الضمير في قوله : ( يتحاجون ) لمطلق الكفار
من أهل النار . . بعيد . والقول بأن الضمير لقريش أبعد ( 240 ) .
لقد انتهت الرحلة بالنار ، نار في عالم البرزخ ونار يوم القيامة ، كما انتهت
بلعن في الدنيا ، وفي الآخرة هم من المقبوحين . لقد انتهت الرحلة في الدنيا
بالغرق وتدمير ما يعرشون ويوم القيامة بئس الرفد المرفود . إن فرعون وقومه إنتاج
حقيقي لعالم الانحراف بجميع رموزه وأعلامه ، لقد حملت الدولة الفرعونية
شذوذ وانحراف قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود وأهل مدين ففرعون إمام دولة له
مجموعة عمل قادرة على التأثير ، ولديه الإمكانيات الهائلة التي يمكن أن ينفذ بها
سياسته التي دق الكفر أوتادها على امتداد زمن طويل ، ولأن فرعون مدخل للصد
عن سبيل الله ومدخل إلى النار أفاض القرآن في قصته وحذر تعالى الإنسانية كلها
من طرق وخطوط فرعون فقال تعالى : ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى * إن في
ذلك لعبرة لمن يخشى ) ( 241 ) قال المفسرون : إن في حديث موسى وقصته لعبرة
لمن كان له خشية ، وكان من غريزته أن يخشى الشقاء والعذاب والإنسان من
هامش
( 240 ) الميزان : 336 / 17 .
( 241 ) سورة النازعات ، الآية : 26 .