لقد كانت الناقة دعوة للتأمل والتدبر . فخلقها عظيم مهيب ، وكانت دعوة
للشكر ، لأن على لبنها عاش القوم ، وكانت دعوة للاستغفار من الذنوب . لأنها
مقياس للماء على أرض ثمود صاحبة الأعلام والجنود ، كانت الناقة إشارة للذين
يحفرون الصخور طلبا للخلود . إشارة تقول إذا كان هناك قوم قد أهلكوا
بالطوفان ! فليس بالضرورة أن يكون هلاك آخرين به . وقد يكون الهلاك في عدم
وجود ماء . ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ) ( 60 ) إن
ذاكرة ثمود لم تع الحدث العظيم ، لأنها استنقعت في أبوال إبل آباء معسكر
الانحراف ، وعندما تناسوا أو تعاموا عن الحدث وحكمته ابتعدوا عن دائرة
الاستبصار ، واقتربوا من دوائر الفتن ، التي يجري على الهالك فيها قانون
الاستدراج وهو قانون يضرب كل مفتون وكل جبار يرفض التوبة والاستغفار . لقد
كانت الناقة علما بذاتها . علما يحمل لهم الخير . خيرا يدخل في أجوافهم .
وخيرا يدخل عقولهم لو تدبروا . وكانت الناقة جدارا يحميهم من الفتن لأنها
تردهم إلى صالح . لأنهم إذا سقطوا في الفتن بلا دليل . فلا أمل في نجاتهم .
وصالح عليه السلام حذرهم من الفتن التي ليس فيها دليل يقود حين قال لهم :
( طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ) ( 61 ) إن النجاة في عالم الفتنة لا تكون إلا
لأصحاب البصائر الذين يعلمون أن طائرهم عند الله ، ولأنهم يبدأون طريقهم من
الله ! فإنهم على امتداد الطريق تكون همتهم بالله وشغلهم فيه وفرارهم إليه ،
وثمود قامت بحملات الترغيب والترهيب والتشكيك من أجل الصد عن سبيل
الله ، وقال الذين استكبروا للذين آمنوا : ( أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه
قالوا : إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به
كافرون ) ( 62 ) وثمود لم يسمعوا للدليل الذي بعثه الله فيهم ليقودهم إلى الطريق
المستقيم . لم يسمعوا له حين قال لهم : ( فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر
المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) ( 63 ) ولقد عصوا الله
وأطاعوا أمر المسرفين لأن معهم مصالحهم وفي أوعيتهم أهواءهم . وعندما عصوا
هامش
( 60 ) سورة الملك ، الآية : 30 .
( 61 ) سورة النمل ، الآية : 47 .
( 62 ) سورة الأعراف ، الآيتان : 75 - 76 .
( 63 ) سورة الشعراء ، الآيات : 150 - 152 .