يشرب القوم يوما ولا يحضر شربهم غيرهم . وكانت الناقة إذا كان يوم شربها
خرجت بلونها البهي الجذاب لكونها حمراء شقراء وبراء ، وسارت في الطرقات
بجسمها العظيم الضخم الذي تمتاز به عن غيرها من سائر نوق الدنيا ، وتوجهت
إلى الماء فتشرب حتى إنها لم تبق لهم شيئا من الماء يوم شربها . كما كانت تتوجه
إلى المرعى فتأكل ما تشاء ولا يجوز لأحد منعها ومعارضتها ، ثم تعود إلى حيث
تبيت دون أن تضر أحدا في نفسه أو زرعه وشجره . تعود كما خرجت وهي في
جميع تحركاتها لا تحتاج إلى حارس ولا سائس ، وكانت سائر الدواب تخاف منها
عندما تراها خارجة للذهاب إلى الماء والمرعى أو عائدة إلى ديارها ، كانت سائر
الدواب تخاف منها وتفر من طريقها وهي لا تؤذيها كما روي ( 55 ) أما في يوم شرب
القوم فإنها لا تقرب الماء يوم شربهم ولا تزاحمهم ، هكذا من نفسها ، لأن واقع
أمرها لا يدركه إلا الذي خلقها وسواها . وكانت عندما تعود لمبيتها يحلبونها ، فلا
يبقى في بلدتهم صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها في ذلك اليوم . هكذا جرت
عليهم الأيام . يشربون لبن الناقة في اليوم الذي لا يشربون فيه الماء . ولا تأخذ
الناقة منهم شيئا في اليوم الذي لا يحق لها أن تشرب من الماء .
إن فقدان الماء في يوم وخاصة في عالم الصحراء . وبالأخص في عالم
ثمود الذي يقوم فيه العمال والجنود بنحت الصخور . يكون أمرا شاقا على مستوى
الفرد وعلى مستوى الدولة التي تريد أن تنفذ خطتها وفق أطروحة الآمال الطويلة ،
وهو أمر شاق أيضا على سير التجارة وانتقال القوافل من هنا إلى هناك ، لأن نقطة
بدء الرحلة يتحدد يومها وفقا للقسمة بين الناقة وبين القوم . كي تتزود القوافل
بالماء اللازم في اليوم المحدد لها . هذا إذا توفر لها الماء فعلا ، نظرا لأن الناقة
في يومها كانت إما تشربه جميعا أو تشرب معظمه ، وليس الماء فقط بل نبات
المراعي أيضا الذي تتزود منه القوافل ليكون زادا لدوابهم . باختصار كان في
فقدان الماء ليوم واحد فقط خطورة عظيمة تهدد أركان ثمود ، وبما أن الماء في يد
القدرة الإلهية فكان أمام ثمود حلا واحدا لا بديل له . وهو الإيمان بالله وعبادته
وفقا لهذا الإيمان . وخطوط هذه العبادة تكمن في طاعتهم لصالح عليه السلام لأن
طاعته من طاعة الله .
هامش
( 55 ) ابن كثير : 228 / 2 .