وثمود عندما كانوا في دائرة الاستبصار بعد خروج الناقة من الصخرة ، كانت
الناقة لا تشرب من الماء إلا قليلا ، وكلما ابتعدت ثمود عن دائرة الاستبصار ، كلما
شربت الناقة ، من الماء بقدر ابتعادهم ، حتى جاء اليوم الذي انهار فيه
اقتصادهم . وتشاءموا من صالح عليه السلام . لقد كانوا يبتعدون . والناقة
بأفعالها تدعوهم إلى دائرة الاستبصار . وصالح عليه السلام بأقواله وأفعاله
يدعوهم إلى الهدى والطريق المستقيم يقول تعالى : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة
فظلموا بها ) ( 56 ) قال المفسرون : ( مبصرة ) صفة للناقة . أي تدل ثمود إلى
الطريق الحق ، وبأفعالها تدل على وحدانية من خلقها ، وصدق رسوله الذي
أجاب الله دعاؤه فيها . . فالناقة كانت مبصرة ، ومعجزتها ظاهرة البينة ، لقد كانت
تتعامل مع الماء بحكمة فيها إعجاز تلتفت إليه ثمود ، ولكن ثمود ركبت دواب
استعجال السيئات ، ولم ينصتوا لصوت الحكمة الذي تبثه الناقة ، ولا لصوت
العقل الذي يبثه صالح عليه السلام . لقد طالبهم بأن لا يستعجلوا بالسيئة قبل
الحسنة . لأن حضور السيئة يبعد عنهم الماء . وأمرهم بأن يستغفروا الله ، لأن مع
الاستغفار يكون الماء . وبما أن الله تعالى جعلهم خلائف من بعد عاد ، فصالح
عليه السلام لم يقل لهم إلا ما قاله هود لعاد : ( يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا
إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ) ( 57 ) ولم يقل لهم إلا ما قاله نوع لقومه :
( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا ) ( 58 ) إن
الناقة على الأرض مقياس للماء . ولله في خلقه شؤون . ولكن أصحاب الأدمغة
الفارغة ، والأحلام التافهة ، لم يفقهوا حقيقة الأمر ، ورفضوا الاستغفار
واستثمروا أوضاعهم الاقتصادية المنهارة . التي يرجع سببها الرئيسي لكفرانهم
بالنعمة ولصدهم عن سبيل الله . . استثمروها في مربعات التشكيك بصالح
والذين معه ، قائلين له : ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا ! ( قال يا
قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا
اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ) ( 59 ) .
هامش
( 56 ) سورة الإسراء ، الآية : 59 .
( 57 ) سورة هود ، الآية : 52 .
( 58 ) سورة نوح ، الآيتان : 10 - 11 .
( 59 ) سورة النمل ، الآيتان : 46 - 47 .