ولا قيمة لأبصارهم ولا قيمة في أولادهم ولا قيمة في أموالهم ، لأنهم ركبوا بما
يضمرون في أنفسهم قطار الاستدراج الذي ينتهي بهم إلى محطة الاستئصال ،
وهناك يقطع الله تعالى دابرهم فلا ترى لهم من باقية .
إن أتباع الانحراف لهم آذان لا يسمعون بها ولهم عيون لا يبصرون بها ولهم
قلوب لا يفقهون بها ، لأنهم يستعملون حواسهم فيما لا يعود عليهم وعلى
الإنسانية بالسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة ، وهم ما فقدوا مقياس الاستعمال
الصحيح لحواسهم إلا بعد أن نسوا أو تعاموا عن الدليل الحق الذي يقودهم إلى
الطريق الحق ، ومن كانت مقدمته النسيان أو التعامي عن الحق في أول الطريق
تمرغ في نهاية الطريق على أرض السراب بحثا عن الماء ولن يجد الماء ! لأن
المقدمة كانت تقوم على نسيان الله ومن نسي الله في أول الطريق أنساه الله نفسه
على امتداد الطريق وانتهى أمره إلى الهلاك والله غني عن العالمين . وثمود نست
وتعامت ففقدت الدليل ، والدليل يحدثها من كل جانب . يقول لهم قولا واحدا :
( يا قوم اعبدوا الله ) ويحذرهم تحذيرا واحدا ( هذه ناقة الله لكم آية فذروها
تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) ( 54 ) لقد كان لوجود
الناقة بينهم حكمة ، ومن وراء هذه الحكمة هدف ، إن الناقة كانت شيئا ماديا يروه
بأم أعينهم في طرقاتهم . كانت دابة على هيئة لم يألفوها ، اختار عباقرتهم
وفقهاؤهم أوصافها بأنفسهم وأخرجها الله لهم من الصخرة التي عينوها أيضا
بأنفسهم ، وهذا في حد ذاته دعوة للتدبر على امتداد أجيال ثمود ، وإذا كانت
الناقة وهيئتها هي الجزء المادي من المعجزة ! فإن أفعالها هي الشطر الثاني من
المعجزة وأفعال الناقة كانت حجة على الجميع من الطفل الرضيع وحتى الشيخ
الفاني . كانت حجة على الذي رأى وسمع والذي لم ير ولم يسمع من ثمود .
وكما أن الناقة بهيئتها معجزة تقود إلى الله الحق فإن أفعال الناقة كانت أيضا معجزة
تقود إلى الله الحق ، وبما أن طريق الله الحق يبينه لثمود صالح عليه السلام ! فإن
معجزة الناقة المادية والفعلية هدفها أن تقف ثمود منصتة إلى الرسول الحق الذي
يدلهم إلى الطريق الحق .
لقد كان عمل الناقة الوحيد أن تشرب يوما ولا يحضر شربها غيرها ، وأن
هامش
( 54 ) سورة الأعراف ، الآية : 73 .