البعيد ( 1 ) .
وقد كثرت الأحاديث الواردة في صفة الإسراء ، وتباينت كيفيته ، وجاء
في بعضها : أن الإسراء كان بجسده [ صلى الله عليه وسلم ، وفي بعضها ، أن الإسراء كان
هامش
( 1 ) المسجد الأقصى : هو المسجد المعروف ببيت المقدس الكائن . بإيلياء ، وهو المسجد الذي بناه سليمان
عليه الصلاة والسلام .
والأقصى : أي الأبعد ، والمراد بعده عن مكة ، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المجسد الحرام ، وهو
وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء ، وكونه خارقا للعادة لكونه قطع
مسافة طويلة في بعض ليلة .
وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علما بالغلبة على مسجد بيت
المقدس ، كما كان المسجد الحرام علما بالغلبة على مسجد مكة .
وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل ، باعتبار أصل وضعها معجزة خفية من معجزات القرآن ، إيماء
إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم ، هو مسجد طيبة ، الذي هو قصي عن المسجد الحرام ،
فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذ .
فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية
والتي بينها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد
الأقصى ، ومسجدي ) .
والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام ، كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم : ففي
الصحيحين عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، أي مسجد وضع في الأرض أول : قال : المسجد
الحرام ، قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة .
فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم ، لأنه حدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم
عليه السلام ، وقد قرن ذكره بذكر المسجد الحرام .
وهذا مما أهمل أهل الكتاب ذكره ، وهو ما خص الله تعالى نبيه بمعرفته ، والتوراة تشهد له ، فقد
جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر : أن إبراهيم لما دخل أرض كنعان [ وهي بلاد
فلسطين ] ، نصب خيمته في الجبل شرقي بيت إيل [ بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلا من
أورشليم إلى الشمال ، وهو بلد كان اسمه عند الفلسطينيين ( لوزا ) فسماه يعقوب : ( بيت إيل ،
كما في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين ] وغربي بلاد عاى [ مدينة عبرانية تعرف الآن
( الطيبة ) ] وبنى هنالك مذبحا للرب ( تفسير التحرير والتنوير ) : 15 / 16 ، ( العهد القديم ) : 45 ،
سفر التكوين ، الإصحاح الثامن والعشرون ، عدد ( 19 ) .