تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وأما ما استشار فيه فهو الأمور الممكنات المتقاربة باختيار الفاعل قال جامعه : قال الماوردي : واختلف فيما يشاور فيه ، فقال قوم : في الحروب ومكايدة العدو خاصة ، وقال آخرون : في أمور الدنيا دون الدين ، وقال آخرون : في أمور الدين بينها لهم على علل الأحكام ، وطريق الاجتهاد ، وقال الثعلبي : اختلف في المعنى الذي أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة لهم فيه ، مع كمال عقله ، وجزالة رأيه ، وتتابع الوحي عليه ، ووجوب طاعته على أمته ، فيما أحبوا أو كرهوا . فقيل : هو خاص في المعنى ، وإن كان عاما في اللفظ ، ومعنى الآية : ومشاورتهم فيما ليس عندك فيه من الله - تعالى - عهد ، يدل عليه قراءة ابن مسعود : " وشاورهم في بعض الأمر " ، وقال ابن الكلبي : ناظرهم لقاء العدو ، ومكايد الحروب عند الغزو ، وقال الراغب : وأما القصد بالاستشارة فتارة لاستضاءة المستشير برأي المستشار ، أو لئلا يلزم إن استبد فيتفق وقوعه بخلاف إيراده ، ولهذا قيل : الاستشارة حصن من الندامة ، وأمن من الملامة ، وتارة طلبا لهداية المستشار ، إما لأن يبين له خطأ رأيه إن كان له رأي خطأ في ذلك الأمر ، وإما أن لا يعتقد هو أو غيره أن الاستبداد فضيلة فيستبد رأيه فيما ربما يؤد إلى فساد ، وإما لإكرامه وتعظيمه ، فإذا تقرر هذا فأمور النبي صلى الله عليه وسلم لا تنفعك من أن شيئا دنياويا ، أو كان دينيا فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم غير محتاج إلى الاستضاءة برأي غيره من البشر ، لما أمده الله - تعالى - به من النور الإلهي ، وما كان صلى الله عليه وسلم يستشيرهم في شئ من أصول الشريعة ، ولكن ربما كان يستشيرهم في بعض فروعها ، التي هي مسائل الاجتهاد ، نحو ما روي أنه صلى الله عليه وسلم استشارهم في شعار يرفع للصلاة ، ومثل ذلك تشريف لهم أولا ، وتنبيه على أن ما سبيله الاجتهاد فحقه الاستعانة فيه بالآراء الكثيرة الصحيحة ، لينقدح منها الصواب .
إمتاع الأسماع — صفحة 50 | المقريزي / محمد عبد الحميد النميسي