يحبه إلا الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن
يقذف في النار ( 1 ) .
وقال البخاري ( 2 ) : أن يكون الله ورسوله ، ولم يقل : بعد أن أنقذه الله
منه .
وأخرجاه من حديث شعبة ، قال : سمعت قتادة يحدث عن أنس قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان ، من كان يحب المرء لا
يحبه إلا الله ، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان أن يلقى
في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ( 3 ) .
وقال البخاري : وجد حلاوة الإيمان ، ومن كان الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما ، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا الله ، ومن يكره أن يعود في الكفر
بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار .
ترجم عليه باب من كره أن يعود في الكفر ، كما يكره أن يلقى في النار ،
في كتاب الإيمان ( 4 ) .
وخرجه في كتاب الأدب ، في باب الحب في الله من حديث شعبة ( 5 ) ،
عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يجد أحد حلاوة
هامش
( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 2 / 372 ، كتاب الإيمان ، باب ( 15 ) بيان خصال من اتصف بهن
وجد حلاوة الإيمان ، حديث رقم ( 67 ) .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 1 / 82 ، باب ( 9 ) حلاوة الإيمان ، حديث رقم ( 16 ) .
( 3 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 2 / 373 ، كتاب الإيمان ، باب ( 15 ) بيان خصال من اتصف بهن
وجد حلاوة الإيمان ، حديث رقم ( 68 ) .
( 4 ) ( فتح الباري ) : 1 / 98 ، باب ( 14 ) ، حديث رقم ( 21 ) .
( 5 ) ( فتح الباري ) : 10 / 567 - 568 ، كتاب الأدب ، باب ( 42 ) الحب في الله ، حديث رقم
( 6041 ) ، وأخرجه أيضا في كتاب الاكراه ، باب ( 1 ) من اختار الضرب والقتل والهوان على
الكفر ، حديث رقم ( 6941 ) .
قوله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان . . . . . " ، هذا حديث عظيم ، أصل
من أصول الإسلام ، قال العلماء - رحمهم الله تعالى - : معنى حلاوة الإيمان استلذاذ
الطاعات ، وتحمل المشقات ، في رضى الله - عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وإيثار ذلك على عرض
الدنيا ومحبة العبد ربه - سبحانه وتعالى - بفعل طاعته ، وترك مخالفته ، وكذلك محبة رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
قال القاضي - رحمه الله - : هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم ، ذاق طعم الإيمان ،
من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، وذلك أنه لا يصح المحبة لله ورسوله
صلى الله عليه وسلم حقيقة ، وحب الآدمي في الله ورسوله ، وكراهة الرجوع إلى الكفر ، إلا لمن قوي بالإيمان
يقينه ، واطمأنت به نفسه ، وانشرح له صدره ، وخالط لحمه ودمه ، وهذا الذي وجد حلاوته .
قال : والحب في الله ، ثمرات حب الله ، قال بعضهم : المحبة مواطأة القلب على ما
يرضى الرب سبحانه ، فيحب ما أخب ، ويكره ما كره ، واختلفت عبارات المتكلمين في هذا
الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ ، وبالجملة : أصل المحبة الميل إلى ما يوافق
المحب ، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه ، كحسن الصورة ، والصوت ،
والطعام ، ونحوها ، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين ، والعلماء ، وأهل
الفضل مطلقا ، وقد يكون لإحسانه إليه ، ودفعه المضار والمكاره عنه ، وهذه المعاني كلها
موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال المظاهر والباطن ، وكمال خلال الجلال ، وأنواع
الفضائل ، وإحسانه إلى جميع المسلمين ، بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ، ودوام النعم ،
والإبعاد .
وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله - تعالى - ، فإن الخير كله منه
- سبحانه وتعالى - .
قال مالك وغيره : المحبة في الله من واجبات الإسلام ، هذا كلام القاضي - رحمه الله - . وأما
قوله صلى الله عليه وسلم : يعود أو يرجع ، فمعناه يصير ، وقد جاء العود ، والرجوع بمعنى الصيرورة .
( شرح النووي ) .