تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وخرج البخاري من حديث ابن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ، وولده ، والناس أجمعين ( 1 ) . ذكره في باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، وخرج فيه من طريق شعيب قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ، وولده ( 2 ) .
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 1 / 80 ، كتاب الإيمان ، باب ( 8 ) حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، حديث رقم ( 15 ) . ( 2 ) ( المرجع السابق ) : حديث رقم ( 14 ) ، وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر ، فإن الأحبية المذكورة تعرف به ، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها ، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات ، هذا هو حقيقة المطلوب . وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما ، على وجوهه المختلف حالا ومالا ، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، إما بالمباشرة ، وإما بالسبب ، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي ، في النعيم السرمدي ، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات ، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره . لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره ، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه . ولا شك أن حظ الصحابة - رضي الله تبارك وتعالى عنهم - من هذا المعنى أتم ، لأن هذا ثمرة المعرفة ، وهم بها أعلم ، والله الموفق . وقال القرطبي : كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شئ من تلك المحبة الراجحة ، غير أنهم متفاوتون . فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى ، ومنهم من أخذ منها بالحد الأدنى ، كمن كان مستغرقا في الشهوات ، محجوبا في الغفلات ، أكثر الأوقات ، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اشتقاق إلى رؤيته ، بحيث لا يؤثرها على أهله ، وولده ، وماله ، ووالده ، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه ، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر ، لما وقر في قلوبهم من محبته ، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات ، والله المستعان . ( فتح الباري ) .
إمتاع الأسماع — صفحة 172 | المقريزي / محمد عبد الحميد النميسي