وخرج البخاري من حديث ابن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن
أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ،
وولده ، والناس أجمعين ( 1 ) .
ذكره في باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، وخرج فيه من طريق شعيب
قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله تبارك
وتعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى
أكون أحب إليه من والده ، وولده ( 2 ) .
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 1 / 80 ، كتاب الإيمان ، باب ( 8 ) حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، حديث رقم
( 15 ) .
( 2 ) ( المرجع السابق ) : حديث رقم ( 14 ) ، وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر ، فإن
الأحبية المذكورة تعرف به ، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها ، أما نفسه فهو أن
يريد دوام بقائها سالمة من الآفات ، هذا هو حقيقة المطلوب . وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه
فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما ، على وجوهه المختلف حالا ومالا ، فإذا تأمل النفع الحاصل له
من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، إما بالمباشرة ، وإما
بالسبب ، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي ، في النعيم السرمدي ، وعلم أن نفعه بذلك أعظم
من جميع وجوه الانتفاعات ، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره . لأن النفع
الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره ، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار
ذلك والغفلة عنه .
ولا شك أن حظ الصحابة - رضي الله تبارك وتعالى عنهم - من هذا المعنى أتم ، لأن
هذا ثمرة المعرفة ، وهم بها أعلم ، والله الموفق .
وقال القرطبي : كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شئ من تلك
المحبة الراجحة ، غير أنهم متفاوتون . فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى ، ومنهم من
أخذ منها بالحد الأدنى ، كمن كان مستغرقا في الشهوات ، محجوبا في الغفلات ، أكثر
الأوقات ، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اشتقاق إلى رؤيته ، بحيث لا يؤثرها على أهله ،
وولده ، وماله ، ووالده ، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانا لا
تردد فيه ، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما
ذكر ، لما وقر في قلوبهم من محبته ، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات ، والله
المستعان . ( فتح الباري ) .