وخرجه في كتاب الدعاء من حديث سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن
عائشة قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد ،
وانقل حماها إلى الجحفة ، اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا ، ذكره في باب
الدعاء برفع الوباء ( 1 ) .
وخرجه مسلم ( 2 ) من حديث عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة
قالت : قدمنا المدينة وهي وبئة ، فاشتكى أبو بكر واشتكى بلال - رضي الله
تبارك وتعالى عنه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوى أصحابه قال : اللهم حبب
هامش
( 1 ) حديث رقم ( 6372 ) .
( 2 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 9 / 158 - 159 ، كتاب الحج ، باب ( 86 ) الترغيب في سكنى المدينة
والصبر على وبائها ، حديث رقم ( 1374 ) ، قولها ( قدمنا المدينة وهي بيئة ) وهي بهمزة ممدودة
يعني ذات وباء بالمد والقصر وهو الموت الذريع هذا أصلة ويطلق أيضا على الأرض الوخمة
التي تكثر بها الأمراض لا سيما للغرباء الذين ليسوا مستوطنيها . فإن قيل كيف قدموا على
الوباء وفي الحديث الآخر في الصحيح النهي ، عن القدوم النهي عن القدوم عليه فالجواب من
وجهين ذكرهما القاضي أحدهما أن القدوم كان قبل النهي ، لأن النهي كان في المدينة بعد
استيطانها ، والثاني أن المنهي ، عنه هو القدوم على الوباء الذريع والطاعون ، وأما هذا الذي
كان المدينة فإنما كان وخما يمرض بسببه كثير من الغرباء والله أعلم . قوله صلى الله عليه وسلم : ( وحول
حماها إلى الجعفة ) قال الخطابي وغيرة : كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودا ، ففيه دليل
للدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك وفيه الدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم
والبركة فيها وكشف الضر والشدائد ، عنهم وهذا مذهب العلماء كافة قال القاضي وهذا خلاف
قول بعض المتصرفة أن الدعاء قدح في التوكل والرضا وأنه ينبغي تركه وخلاف قول بعض
المتصوفة أن الدعاء قدح في التوكل والرضا وأنه ينبغي تركه وخلاف قول المعتزلة أن لا فائدة
في الدعاء مع سبق القدر ومذهب العلماء كافة أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلا ما
سبق به القدر والله أعلم ، وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فإن الجعفة من يومئذ
مجتنبة ولا يشرب أحد من مائها إلا حم . ورواه الإمام مالك في ( الموطأ ) في الجامع ، باب ما
جاء في وباء المدينة .