تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغييرات بالاختيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها ، والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر ويجوز على جبلته ما يجوز على جبلة البشر ، فقد قامت البراهين القاطعة ، وتمت كلمة الإجماع على خروجه عنهم ، وتنزيهه من كثير من الآفات التي تقع على الاختيار ، وعلى غير الاختيار ، كما سنبينه إن شاء الله - تعالى . قال : وقد ذكر حكم عقد قلبه صلى الله عليه وسلم أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته والإيمان به ، وبما أوحى به فعلى غاية المعرفة ، ورسوخ العلم ، واليقين والانتفاء عن الجهل بشئ من ذلك ، أو الشك ، أو الريب فيه ، والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين ، هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه ، ولا يصح بالبراهين الواضحات أن يكون في عقول الأنبياء سواه ، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم عليه السلام : ( قال بلى ولكن يطمئن قلبي ) ( 1 ) إذا لم يشك إبراهيم في إخبار الله - تعالى - بإحياء الموتى ، ولكن أراد طمأنينة القلب ، وترك المنازعة ، ومشاهدة الإحياء ، فحصل له العلم الأول بوقوعه ، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته . الوجه الثاني : أن إبراهيم - عليه السلام - إنما أراد اختيار منزلته عند ربه - تعالى - وعلم إجابته دعوته بسؤال ذلك من ربه ، ويكون قوله : أو لم تؤمن أي تصدق بمنزلتك مني وخلتك واصطفائك ؟ الوجه الثالث : أنه سأل زيادة يقين وقوة طمأنينة وإن لم يكن في الأول شك إذا العلوم الضرورية والنظرية قد تتفاضل في قوتها وطرئان الشكوك على الضروريات ممتنع ، ومجوز في النظريات ، فأراد الانتقال من النظر والخبر إلى المشاهدة ، والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين ، فليس الخبر كالمعاينة ، ولهذا قال : سهل بن عبد الله : سال كشف غطاء العيان ، ليزداد بنور اليقين تمكنا في حاله .
هامش
( 1 ) البقرة : 260 .
إمتاع الأسماع — صفحة 185 | المقريزي / محمد عبد الحميد النميسي