تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فيه شك لما جاء به بكليته على امتثال ما أمر به واتباع سنته ، كأنما صارت سنته كتابا مستورا في قلبه ، لا يزال يقروه على تعاقب أحواله ، ويقتبس الهدى والصلاح وجميع العلوم منه ، فكلما ازداد في ذلك بصيرة وقوة ومعرفة ، تزايدت صلاته وسلامه عليه ، ولهذا كان فرق عظيم بين صلاة أهل العلم عليه القائمين بشريعته ، العارفين بسنته وهديه المتبعين له ، وبين صلاة العوام عليه ، الذين حظهم منها إزعاج أعضائهم ، وبها رفع أصواتهم ، فصلاة العارفين بسنته عليه العالمين بما جاء به ، نوع آخر ، فكلما ازدادوا معرفة بما جاء به ، ازدادوا له محبة ومعرفة بحقيقة الصلاة المطلوبة من الله - تعالى . فكلما كان العبد أعرف بالله - تعالى ، وله - تعالى - أطوع ، وله أحب مما سواه ، كان ذكره له - تعالى - غير ذكر الغافلين اللاهين ، وهذا أمر إنما يعرف بالذوق لا بالوصف ، وفرق بين من يذكر صفات محبوبه الذي قدم ملأ حبه جميع قلبه ، ويثني عليه ويمجده بها ، وبين من حظه من ذكره التلفظ بما لا يدري معناه ، فلا يطابق فيه قلبه لسانه ، كما أنه فرق بين بكاء النائحة وبكاء الثكلى . فذكره صلى الله عليه وسلم وذكر ما جاء به حمدا لله - تعالى - على إنعامه علينا ، ومنه بإرساله هو حياة الوجود ، وروحه روح المجالس ، ذكره وحديثه ، وهدى لكل حيران ، وإذا أخل بذكره في مجلس فأولئك الأموات في الجثمان . السادسة والثلاثون : أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه وذكره عنده . السابعة والثلاثون : أنها سبب لتثبيت أقدام المصلي عليه على الصراط ، لحديث سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : ورأيت رجلا من أمتي يرجف على الصراط ، ويحبو أحيانا ، فجاءته صلاته علي فأقامته وأنقذته ، وسيأتي بطوله إن شاء - الله تعالى - في مقامه صلى الله عليه وسلم . الثامنة والثلاثون : أن المصلي عليه يؤدي بصلاته عليه صلى الله عليه وسلم أقل القليل من حقه ، ويقوم بأيسر اليسير من شكره على نعمته ، التي أنعم الله - تعالى - بها عليه في بعثته إلينا وهدايتنا به ، فإن الذي يستحقه صلى الله عليه وسلم من ذلك لا يحصى علما ولا قدرة منا ولا إرادة ، ولكن الله - تعالى - من كرمه يرضي من عبادة باليسر .
إمتاع الأسماع — صفحة 158 | المقريزي / محمد عبد الحميد النميسي