أفعل تضاف إلى ما بعدها إذا كان من جنس ما قبلها ، كقولك ذكرك أشد ذكر
ووجهك أحسن وجه : أي أشد الأذكار وأحسن الوجوه ، وإذا نصبت ما بعدها
كان غير الذي قبلها كقولك : زيد أفره عبدا ، فالفراهة للعبد لا لزيد ، والمذكور
قبل أشد هاهنا هو الذكر ، والذكر لا يذكر حتى يقال الذكر أشد ذكرا ، وإنما يقال
الذكر أشد ذكر بالإضافة ، لأن الثاني هو الأول ، والذي قاله أبو علي وابن جنى
وغيرهما أنه جعل الذكر ذاكرا على المجاز ، كما تقول : زيد أشد ذكرا من عمرو ،
وعندي أن الكلام محمول على المعنى ، والتقدير : أو كونوا أشد ذكرا لله منكم لآبائكم
ودل على هذا المعنى قوله تعالى " فاذكروا الله " أي كونوا ذاكريه ، وهذا أسهل من
حمله على المجاز .
قوله تعالى ( في الدنيا حسنة ) يجوز أن تكون " في " متعلقة بآتنا ، وأن تكون
صفة لحسنة قدمت فصارت حالا ( وقنا ) حذفت منه الفاء كما حذفت في المضارع إذا
قلت يقى وحذفت لامها للجزم ، واستغنى عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به .
قوله تعالى ( في أيام معدودات ) إن قيل : الأيام واحدها يوم ، والمعدودات
واحدها معدودة ، واليوم لا يوصف بمعدودة لأن الصفة هنا مؤنثة والموصوف
مذكر ، وإنما الوجه أن يقال أيام معدودة فتصف الجمع بالمؤنث . والجواب أنه
أجرى معدودات على لفظ أيام ، وقابل الجمع بالجمع مجازا ، والأصل معدودة كما
قال " لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " . ولو قيل : إن الأيام تشتمل على الساعات
والساعة مؤنثة فجاز الجمع على معنى ساعات الأيام ، وفيه تنبيه على الأمر بالذكر
في كل ساعات هذه الأيام أو في معظمها لكان جوابا سديدا ، ونظير ذلك الشهر
والصيف والشتاء ، فإنها يجاب بها عن كم ، وكم إنما يجاب عنها بالعدد ، وألفاظ هذه
الأشياء ليست عددا ، وإنما هي أسماء لمعدودات ، فكانت جوابا من هذا الوجه
( فلا إثم عليه ) الجمهور على إثبات الهمزة ، وقرئ " فلثم " ووجهها أنه لما
خلط لا بالاسم حذف الهمزة لشبهها بالألف ، ثم حذف ألف لا لسكونها وسكون
الثاء بعدها ( لمن اتقى ) خبر مبتدإ محذوف تقديره : جواز التعجيل والتأخير
لمن اتقى .
قوله تعالى ( من يعجبك ) من نكرة موصوفة ، و ( في الحياة الدنيا )
متعلق بالقول ، والتقدير : في أمور الدنيا ، ويجوز أن يتعلق بيعجبك ( ويشهد
الله ) يجوز أن يكون معطوفا على يعجبك ، ويجوز أن يكون جملة في موضع الحال
إملاء ما من به الرحمن — صفحة 88
مساهمون: أبو البقاء العكبري
ص٨٨