ويروي الشعبي ( أبو عامر بن شرحيل 19 - 103 ه / 640 - 721 م ) أنه
كان بواسط ، فحضر صلاة العيد مع الحجاج الثقفي ، فدعاه وقال له : هذا يوم
أضحى ، وقد أردت أن أضحي برجل من العراق ، وأحب أن تسمع لقوله ، لتعلم
أني أصيب الرأي فيما أفعل ، فقلت : أيها الأمير ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يضحي
بكبش ، فاستن أنت بسنته ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : إذ سمعت ما يقول صوبت رأيي ، فلما
أحضروه ، فإذا هو " يحيى بن يعمر " ( 1 ) فاغتممت غما شديدا ثم قال له
الحجاج : أنت فقيه أهل العراق ، قال : أنا من فقهائهم . قال الحجاج : كيف
زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال يحيى : ما أنا بزاعم
ذلك ، بل قائله بحق ، قال الحجاج : وأي حق ، قال يحيى : كتاب الله نطق
بذلك ، قال : لعلك تريد قوله تعالى ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من
العلم ، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ،
ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) ( 2 ) ، وأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج للمباهلة ،
ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة ( 3 ) ، قال يحيى : وإنها والله حجة بليغة ( 4 ) ،
ولكني مع ذلك لا أحتج بها .
هامش
( 1 ) هو أبو سعيد يحيى بن يعمر العدواني النحوي ، كان تابعيا ، لقي ابن عباس وابن عمر وغيرهما ،
وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي ، وروى عن قتادة وإسحاق بن سويد ، وهو أحد قراء البصرة ،
وكان عالما بالقرآن والنحو ولغات العرب ، وتولى القضاء في " مرو " ، وكان ينطق العربية
المحضة ، واللغة الفصحى طبيعية فيه من غير تكلف ، وكان شيعيا من القائلين بتفضل أهل البيت
من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم ، توفي عام 128 ه أو 129 ه ، وأما أهم مصادر ترجمته
( وفيات الأعيان 6 / 137 - 176 ، شذرات الذهب 1 / 175 - 176 ، معجم الأدباء 20 / 42 ، غاية
النهاية 2 / 318 ، مرآة الجنان 1 / 271 ، تهذيب التهذيب 11 / 305 ، بغية الوعاة ص 417 ،
النجوم الزاهرة 1 / 217 ، أخبار النحويين البصريين ص 22 طبقات الزبيدي ص 22 ) .
( 2 ) سورة آل عمران : آية 61 .
( 3 ) أنظر : صحيح مسلم 15 / 176 ، صفوة التفاسير 1 / 206 ، تفسير القرطبي 1345 - 1347 ،
تفسير ابن كثير 1 / 555 ، المستدرك للحاكم 2 / 593 - 594 .
( 4 ) قال الزمخشري في الكشاف في تفسيره لآية المباهلة هذه ( آل عمران : آية 61 ) أنه ليس هناك من
دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء ، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين ، عليهم
السلام ، لأن الآية لما نزلت دعاهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاحتضن الحسين ، وأخذ بيد الحسن ، ومشت
فاطمة خلفه ، وعلي خلفهما ، وهو يقول : أنا إذا دعوت فأمنوا ، فقال الأسقف : يا معشر
النصارى إني لأرى وجوها ، لو شاءت أن يزيل الله جبلا من مكانه ، لأزاله بها ، فلا تباهلوا
فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، وصالحوه على الجزية .
ثم يقول الزمخشري : وخص الأبناء والنساء بالمباهلة ، لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ،
وفيه دليل على أن أولاد فاطمة ، عليها السلام ، وأبناءهم يسمون أبناء النبي ، وينسبون إليه نسبة
صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة .
وقال الرازي في التفسير الكبير : إن آية المباهلة دالة على أن الحسن والحسين كانا ابني
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلقد وعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يدعو أبناءه ، فدعا الحسن والحسين ، فوجب أن يكون ابنيه .
وقال جواد مغنية : أن السنة والشيعة اتفقت على أن المراد بأنفسنا في الآية : النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ،
وعلي بن أبي طالب وبنسائنا فاطمة ، وبأبنائنا : الحسن والحسين .
وقال السيد المرتضى : إن آية المباهلة تدل على أن ابن البنت ابن حقيقي ، وحتى لو لم يكن
كذلك ، بالقياس لغير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإن الحسن والحسين هما ابنا سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حقيقة ، وهذا
خاص بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بنص القرآن والسنة واستعمال الناس جميعا ، وفي صحيح البخاري أن
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال عن الحسن : ابني هذا سيد .
وقال ابن قيم الجوزية : إن المسلمين مجمعون على دخول أولاد فاطمة رضي الله عنها في
ذرية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المطلوب لهم من الله الصلاة ، لأن أحدا من بناته لم يعقب غيرها ، فمن انتسب
إليه ( صلى الله عليه وسلم ) من أولاد بنته ، فإنما هو من جهة فاطمة ، رضي الله عنها ، خاصة ، ولهذا قال النبي ( صلى الله عليه وسلم )
في الحسن ابن ابنته " إن ابني هذا سيد " فسماه ابنه ، ولما نزلت آية المباهلة ( آل عمران : آية 61 )
دعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فاطمة وحسنا وحسينا وعليا رضي الله عنهم ، وخرج للمباهلة .
ثم يقول : وأما دخول فاطمة رضي الله عنها في ذرية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلشرف هذا الأصل العظيم ،
والوالد الكريم ، الذي لا يدانيه أحد من العالمين ، سرى ونفذ إلى أولاد البنات ، لقوته وجلالته
وعظم قدره . ( صحيح البخاري 3 / 243 ، 5 / 32 ، تفسير الكشاف 1 / 147 - 148 ) ، ابن قيم
الجوزية : جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص 150 - 153 ( القاهرة 1972 ) ،
محمد جواد مغنية : فضائل علي ص 15 - 20 ) .