عن حماد بن زيد قال : بعث إلي يحيى بن أكثم ( 1 ) وإلى عدة من أصحابي ،
وهو يومئذ قاضي القضاة ، فقال : إن أمير المؤمنين أمرني أن حضر معي غدا مع
الفجر أربعين رجلا ، كلهم فقيه ، يفقه ما يقال له ، ويحسن الجواب ، فسموا من
تظنونه يصلح لما يطلب أمير المؤمنين ، فسمينا له عدة ، وذكر هو عدة ، حتى تم
العدد الذي أراد ، وكتب تسمية القوم ، وأمر بالبكور في السحر ، وبعث إلى من
لم يحضره ، فأمره بذلك ، فغدونا عليه قبل طلوع الفجر ، فوجدناه قد لبس ثيابه ،
وهو جالس ينتظرنا " .
" فركب وركبنا معه ، حتى صرنا إلى الباب ، فإذا بخادم واقف ، فلما نظر
إلينا قال : يا أبا محمد ، أمير المؤمنين ينتظرك ، فأدخلنا ، فأمرنا بالصلاة فأخذنا
فيها ، فلم نستتم حتى خرج الرسول ، فقال : ادخلوا ، فإذا أمير المؤمنين
جالس على فراشه ، وعليه سواده وطيلسانه ، والطويلة وعمامته ، فوقفنا وسلمنا ،
فرد السلام ، وأمر لنا بالجلوس ، فلما استقر بنا المجلس ، انحدر عن فراشه
ونزع عمامته وطيلسانه ، ووضع قلنسوته ، ثم أقبل علينا ، فقال : إنما فعلت ما
رأيتم لتفعلوا مثل ذلك ، وأما الخف فمنع من خلعه علة ، من قد عرفها منكم ،
هامش
( 1 ) يحيى بن أكثم : من ولد أكثم بن صيفي التميمي ، حكيم العرب ، كان عالما بالفقه ، بصيرا
بالأحكام ، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي ، وقال الخطيب في تاريخ بغداد : كان يحيى بن
أكثم سليما من البدعة ، ينتحل مذهب أهل السنة ، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة
وغيرهما ، وروى عنه أبو عيسى الترمذي وغيره ، وكان يحيى من أعلام الدنيا ، وكان واسع العلم
بالفقه ، كثير الأدب ، قائم بكل معضلة ، وغلب على المأمون ، حتى لم يتقدمه أحد غيره من
الناس جميعا وكان المأمون ممن برع في العلوم ، فعرف من حال يحيى بن أكثم ، وما هو عليه
من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه ، حتى قلده قضاء القضاة ، وتدبير أهل مملكته ، فكانت
الوزراء لا تعلم في تدبير الملك شيئا ، إلا بعد مطالعة يحيى ، وقد توفي يحيى بن أكثم في
خلافة المتوكل ( 232 - 247 ه ) وذلك في يوم الجمعة منتصف ذي الحجة عام 242 ه بالربذة ،
وهو في طريقه من مكة إلى العراق ، وقبل توفي في غزة سنة 243 ه ، وعمره ثلاث وثمانون سنة
( وفيات الأعيان 6 / 147 - 165 ، أخبار القضاة لوكيع 2 / 161 ، طبقات الحنابلة 1 / 140 ،
النجوم الزاهرة 2 / 217 ، 308 ، مرآة الجنان 2 / 135 ، ميزان الاعتدال 4 / 361 ، شذرات الذهب
2 / 101 - 102 ) .