هذا فضلا " عن أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد روي عنه أنه قال :
إن بيعة أبي بكر ، كانت فلتة ، وقى الله شرها ( 1 ) ، بل إن هناك رواية تنسب
الجملة نفسها إلى أبي بكر ، وليس إلى عمر ، رضي الله عنها ( 2 ) ، ولعل أجمل
تفسير لكلمة الفاروق عمر ، رضوان الله عليه ، ما ذهب إليه الدكتور طه حسين
( 1889 - 1973 م ) من أن بيعة أبي بكر لم تتم في أول أمرها عن ملأ من
جماعة المسلمين ، وعن تشاور ، وإحالة للرأي وإنما تمت فجأة ( 3 ) ، حين
اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، وهمت أن تؤمر سعدا " ، وحين حاورهم
أبو بكر وصاحباه ، فهناك رشح أبو بكر للأنصار عمر ، أو أبا عبيدة ، وكره هذان
أن يتقدما عليه ، فأسرعا إلى بيعته ، وتبعهم الأنصار ، ثم تتام الناس على البيعة
بعد ذلك ، ولو لم يجتمع الأنصار ، ويهموا بتأمير سعد ، لجرى أمر البيعة غير
هذا المجرى ، ثم انتظر الناس بها ، حتى يفرغوا من دفن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا اجتمع
أهل الرأي من المهاجرين والأنصار ، فتذاكروا أمرهم وأمر المسلمين ، واختاروا
من بينهم خليفة لرسول الله . ومن أجل ذلك كانت بيعة أبي بكر فلتة - فيما روي
عن عمر - وقد وقى الله شرها ، لأن المسلمين لم ينكروا هذه البيعة ، ولم يجادل
فيها مجادل منهم ، ولا تردد فيها متردد ( 4 ) ، وإنما أقبلوا فبايعوا أبا بكر راضية
هامش
( 1 ) صحيح البخاري 8 / 208 - 210 ، البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 583 - 584 ( تحقيق محمد
حميد الله - القاهرة 1959 ) ، تاريخ اليعقوبي 2 / 158 ( دار بيروت - بيروت 1400 ه / 1980 م ) ،
السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 67 ( تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - القاهرة
1383 ه / 1964 م ) ، تاريخ الطبري 3 / 205 ( دار المعارف 1979 ) ، ابن الأثير : الكامل في
التاريخ 2 / 327 ( دار صادر ، دار بيروت - بيروت 1385 ه / 1965 م ) ، المرتضى : الشافي في
الإمامة 1 / 241 - 244 ( طهران 1301 ه ) ، ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 2 / 26 - 40
( دار الفكر - بيروت 1399 ه / 1979 م ) ، طه حسين : الشيخان - القاهرة 1992 / 1993 م ص 38 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 2 / 50 .
( 3 ) يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ( 2 / 26 ) : وقد أكثر الناس في حديث الفلتة ، وذكرها
شيوخنا المتكلمون ، فقال شيخنا أبو علي ، رحمه الله تعالى ، الفلتة : ليست الزلة والخطيئة ، بل
هي البغتة ، وما وقع فجأة من غير رؤية ولا مشاورة .
( 4 ) هذا غير صحيح طبقا " لما أوردته المصادر التاريخية ، بل والحديثية ( أنظر ) محمد بيومي مهران :
( الإمام علي بن أبي طالب 1 / 145 - 163 بيروت 1990 م ) .