أفاضل المسلمين ، الذين هم من أهل الحل والعقد ، والمؤتمنين على هذا
الشأن ، وذلك عن طريق اختيار من تتوفر فيه شروط الإمامة .
ولعل السبب في ذلك أن اجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار
المسلمين بصقع واحد ، وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع ، وأن الله
تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع ، الذي لا يصح فعله ولا تركه ، هذا فضلا "
عن أن سلف الأمة لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، حضور
جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين ، ولا في المدينة أيضا " ، وأن
عمر بن الخطاب رد الأمر إلى ستة أنفار فقط ، وإن كان في غيرهم من يصلح
للعقد ، وأن أبا بكر عقد لعمر ، فتمت إمامته .
هذا ويذهب الباقلاني إلى عدم اشتراط عدد معين لحضور عقد الإمام ،
فإن حضر نفر من المسلمين تمت البيعة ، وقال قوم : إن أقل ما يجب أن يحضر
أربعة نفر ، ولكن الباقلاني يرى أن هذا ليس بواجب ، ولا يملك الرجل من أهل
الحل والعقد ، عقد الإمامة لنفسه .
وإذا عقد جماعة من أهل الحل والعقد لعدة أئمة في بلدان مختلفة
متفرقة ، وكانوا كلهم يصلحون للإمامة ، فإذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود ،
وتؤملت ، ويقر من بدئ بالعقد له ، ويقال للباقين : إنزلوا عن الأمر ، فإن
فعلوا ، وإلا قوتلوا على ذلك ، وكانوا عصاة في المقام عليها ، وإذا لم يعرف
الأسبق ، وادعى كل واحد منهم أن العقد سبق له ، أبطلت سائر العقود ،
واستؤنف العقد لواحد منهم ، أو من غيرهم ، وإن أبوا ذلك ، قاتلهم الناس
عليه ، فإن تمكنوا ، وإلا فهم في غلبة وفتنة ، وعذر من ترك إمامة الإمام ، وإن
تمكن من العقد لغيرهم ، فعل ذلك ، وكان الإمام المعقود له حربا " لسائر هؤلاء ،
حتى يذعنوا ، ويرجعوا إلى الطاعة والسداد ( 1 ) .
هامش
( 1 ) القاضي أبو بكر الباقلاني : تمهيد الأوائل ، وتلخيص الدلائل - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر
- بيروت 1987 ص 467 - 470 .