والحاصل ان اطلاق صيغ المضارع إنما يصح فيما إذا لم يكن
الفاعل حين الاطلاق متلبسا بالفعل وان أراد من الحال الحال العرفي
- أعني الزمان المتصل بحال الاطلاق - فهو مرتبة من مراتب الاستقبال ،
وليس فعل المضارع دالا الا على الاستقبال . نعم لما لم يدل على مرتبة
خاصة من الاستقبال ، يصح اطلاقه على أي مرتبة منه ، ولو أطلق الحال
على هذه المرتبة من الاستقبال ، يمكن اطلاقه على هذه المرتبة من الماضي
أيضا ، فهلا قيل بان فعل الماضي يدل على الماضي والحال .
وكيف كان تحصل من جميع ما ذكرنا أن الماضي يدل على استناد
المبدأ إلى الفاعل على نحو المضي بالنسبة إلى حال الاطلاق ، والمضارع يدل
على اسناده إليه حال الاطلاق ومما ذكرنا يعلم أن نسبة بعض الصيغ
شرح
ذلك إلى ما شاء الله من الافعال على المتلبس في الحال مجاز ، أو يلاحظ فيها الاجزاء
الآتية في الاستقبال ؟ كلا . وبذلك يعرف عدم احتياج صحة اطلاق يصلي ويذكر
ويقرأ وأمثال ذلك إلى لحاظ الاستقبال ، وأيضا هل يصح أن يدعي أحد أن يعلم
ويظن ويشك وأمثال ذلك لا يطلق على من يطلق عليه العالم بالفعل ؟ وهل
ادعاء ذلك الا مخالفة لوجدانه إذا قال : أعلم و . . ؟ بل يمكن ادعاء انصراف أمثال
ذلك إلى خصوص الحال ، ولذا يحتاج الاخبار بها عن الاستقبال إلى السين أو سوف
وتقول : سيعلم أو سوف يعلم .
فان قيل : ما الفرق بين بقاء العلم وأمثاله مع بقاء القيام والقعود ؟ وكيف
لا يصح اطلاق يقوم لمن يبقى قيامه ويصح يعلم لمن يبقى علمه مع أن كالقيام
يشبه الأوصاف ؟
قلت : الفرق أن بقاء العلم وأمثاله من أفعال القلوب ليس الا بتوجه النفس
في كل آن كتوجهها حين حدوث الفعل أو الصفة المذكورة ، ولذا يسند إليه في الآن
الثاني كاسناده في الأول ، بخلاف القيام فقد ذكرنا أنه لا يعد بقاؤه فعلا على حدة
فافهم واغتنم .