بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " قالوا : يا
رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ( 1 ) وقال المفسرون : إن
المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض ، وإنهم جميعا والكفار ذو طبيعة
واحدة في الإعراض عن ذكر الله والإقبال على الاستمتاع . بما أوتوا من
أعراض الدنيا من أموال وأولاد ، والخوض في آيات الله . ثم في حبط
أعمالهم في الدنيا والآخرة والخسران . ومعنى الآيات : أنتم كالذين من
قبلكم كانت لهم قوة وأموال وأولاد ، بل أشد وأكثر في ذلك منكم ،
فاستمتعوا بنصيبهم ، وقد تفرع على هذه المماثلة أنكم استمتعتم كما
استمتعوا وخضتم كما خاضوا . أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة
وأولئك هم الخاسرون ، وأنتم أيضا أمثالهم في الحبط والخسران .
لقد حذرت الدعوة الإلهية عند المقدمة من الاختلاف في
الدين ، وذكرت أن الاختلاف بعد العلم لا يمكن أن يضع أصحابه على
طريقة رسول الله ( ص ) ، لأنها طريقة بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة ،
وحذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين أوتوا الكتاب . وبينت
برامجهم وأهدافهم ، وأخبرت بأنهم يصدون عن سبيل الله . ويعملون من
أجل أن تضل الأمة وتتبع طريقتهم في الحياة ، ثم أخبر رسول الله ( ص )
بالغيب عن ربه بما يستقبل الناس ، ومنه : أن الأمة ستفترق وسيتبع
بعضها طريقة اليهود والنصارى ، والتحذير عند المقدمة فيه أن الصراع
قائم بين الحق وبين الباطل ، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند
نهاية الطريق ، لا يعني سقوط المسيرة ، وإنما يعني سقوط الغثاء والزبد
الذي لا قيمة له ، وأعلام هؤلاء يحملها المنافقين والمنافقات كما ظهر
في صدر الآية الكريمة .
هامش
( 1 ) رواه أحمد والبخاري ومسلم ( الفتح الرباني 197 / 1 ) .