( قوله : خاتمة في الايمان ) أي في بيان أحكامها . وإنما ذكرها عقب الدعوى والبينات لان الايمان قد تحتاج لتقدم
دعوى ، والفقهاء يذكرونها قبل القضاء ، لان القاضي قد يحتاج إلى اليمين من الخصوم فلا يقضي إلا بعدها . فلكل
وجهة . والايمان - بفتح الهمزة - جمع يمين ، وهي في اللغة اليد اليمنى . وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا حلفوا
وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه . وقيل القوة ، ومنه قوله تعالى : * ( لأخذنا منه باليمين ) * . أي بالقوة . وعليه فتسمية
الحلف به لأنه يقوي على الحنث أو عدمه ، وعلى الأول جرى م ر في النهاية ، وعلى الثاني جرى ابن حجر في التحفة .
وفي الشرع تحقيق أمر محتمل باسم من أسمائه تعالى ، أو صفة من صفاته ، ماضيا كان أو مستقبلا ، نفيا أو إثباتا ، ممكنا
في العادة كحلفه ليدخلن الدار ، أو ممتنعا فيها كحلفه ليقتلن الميت ، أو ليقتلن زيدا بعد موته . والمراد بتحقيق ذلك ،
التزام تحقيقه وإيجابه على نفسه ، والتصميم على تحصيلة ، وإثبات أنه لا بد منه وأنه لا سعة في تركه . وليس المراد به
جعله محققا حاصلا ، لان ذلك غير لازم . والمراد بالامر النسبة الكلامية : كما إذا قلت : زيد قائم ، فعورضت فيه فقلت :
والله إنه قائم تحقيقا لذلك ، والمراد بالمحتمل ، المحتمل عقلا ، فيدخل فيه المحال العادي . وخرج بتحقيق أمر : لغو
اليمين الآتي ، وبالمحتمل المراد به هنا غيره وهو الواجب فقط : كقوله والله لأموتن ، فليس بيمين لامتناع الحنث فيه : أي
مخالفة المحلوف عليه ، فلا إخلال فيه بتعظيم اسمه تعالى والأصل فيها قبل الاجماع آيات كقوله تعالى : * ( لا يؤاخذكم
الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ) * . أي قصدتموها بدليل آية أخرى وهي : * ( ولكن يؤاخذكم
بما كسبت قلوبكم ) * . وقوله تعالى : * ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) * . الآية . وأخبار منها أنه ( ص )
كان يحلف : لا ، ومقلب القلوب . رواه البخاري ، ومنها قوله عليه السلام : والله لأغزون قريشا - ثلاث مرات ثم قال
في الثالثة : إن شاء الله . رواه أبو داود . وقد أمره الله بالحلف على تصديق ما أمر به في ثلاثة مواضع من القرآن : في يونس
في قوله تعالى : * ( قل إي وربي إنه لحق ) * . وفي سبأ في قوله تعالى : * ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ، قل بلى
وربي لتأتينكم ) * . وفي التغابن في قوله تعالى : * ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا . قل بلى وربي لتبعثن ) * .
وأركانها : حالف ، ومحلوف به ، ومحلوف عليه . وشرط في الأول التكليف والاختيار والنطق والقصد ، فلا تنعقد
يمين الصبي والمجنون والمكره ويمين اللغو . وفي الثاني أن يكون اسما من أسمائه تعالى ، أو صفة من صفاته على ما
سيأتي . وفي الثالث أن لا يكون واجبا بأن يكون محتملا عقلا ولو كان مستحيلا عادة كما علمت .
واعلم : أن الايمان نوعان : واقعة في خصومة ، وواقعة في غيرها . فالتي تقع فيها إما أن تكون لدفع وهي يمين
المنكر للحق بأن قال : لي عليك كذا ، فأنكر وحلف لدفع مطالبة المدعي بالحق ، وإما أن تكون للاستحقاق وهي
خمسة : اللعان : فالحالف يستحق بحلفه حد زوجته لزناها إن لم تحلف هي . والقسامة : فالمستحق يحلف ويستحق
الدية . واليمين مع الشاهد في الأموال : أي ما يؤول إليها . واليمين المردودة على المدعي بعد النكول . واليمين مع
هامش
( 1 ) سورة الحاقة ، الآية : 45 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 89 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 225 .
( 4 ) سورة آل عمران ، الآية : 77 .
( 5 ) سورة يونس ، الآية : 53 .
( 6 ) سورة سبأ ، الآية : 3 .
( 7 ) سورة التغابن ، الآية : 7 .