الكافر ، فلا يصح أمانه لأنهم متهم ، وبمختار المكره ، وبما بعده الصبي والمجنون والأسير ، فلا يصح أمانهم . وخرج
بالمحصورين غيرهم . وضابطه أن يؤدي الأمان إلى إبطال الجهاد في تلك الناحية ، فلا يصح من الآحاد حينئذ أمان ،
لابطاله شعار الدين وأعظم مكاسب المسلمين ، وإنما ينعقد الأمان بإيجاب صريح : كأمنتك ، وأجرتك ، ولا تخف ، ولا
بأس عليك ، أو كناية نحوكن كيف شئت . ومنها الكتابة ، وبقبول للأمان ولو بما يشعر به كترك القتال . ويدخل في الأمان
للحربي بدارنا ، ماله وأهله من ولده الصغير والمجنون وزوجته إن كان بدارنا ، وكذا ما معه من مال غيره إن كان المؤمن له
الامام . فإن أمنه غيره لم يدخل أهله ولا ما يحتاجه من ماله إلا بشرط دخولهما ، وكذا يدخلان فيه إن كانا بدارهم ، وشرط
دخولهما إمام لا غيره . وأما الجزية فتختص بالامام أو نائبه كالهدنة ، وهي لغة اسم لخراج مجعول على أهل الذمة ،
وشرعا مال يلتزمه كافر بعقد مخصوص . والأصل فيها قبل الاجماع قوله تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون ) * وما رواه البخاري من أنه ( ص ) أخذها من مجوس هجر وقال : سنوا بهم سنة أهل الكتاب وما رواه أبو داود
من أخذه لها من أهل نجران . وفسر إعطاء الجزية في الآية بالتزامها بالعقد والصغار فيها بالتزام أحكامنا التي يعتقدونها
كحرمة زنا وسرقة ، بخلاف التي لا يعتقدونها كحرمة شرب مسكر ، ونكاح مجوسي محارم ، فإنهم لا يلتزمونها ، لأنه لا
يلزمهم الانقياد إلا للأحكام التي يعتقدونها . وأركانها خمسة : عاقد ، ومعقود له ، ومكان ، ومال ، وصيغة . وشرط فيها ما
مر في البيع من نحو اتصال الايجاب بالقبول ، وهي إيجابا كأقررتكم ، أو أذنت في إقامتكم بدارنا على أن تلتزموا كذا
وتنقادوا لحكمنا ، وقبولا كقبلنا ورضينا . وشرط في العقاد كونه إماما أو نائبه ، فلا يصح عقدها من غيره لأنها من الأمور
الكلية ، فيحتاج إلى نظر واجتهاد ، وشرط في المعقود له كونه متمسكا بكتاب كتوراة وإنجيل وزبور حرا ذكرا غير صبي
ومجنون . وشرط في المكان قبوله للتقرير ، فيمنع كافر ولو ذميا إقامة بالحجاز ، وهو مكة والمدينة واليمامة وطرقها وقراها
كالطائف لمكة ، وخيبر للمدينة . وشرط في المال عند قوتنا كونه دينارا فأكثر كل سنة عن كل واحد ، لقوله ( ص ) لمعاذ لما
بعثه إلى اليمن : خذ من كل حالم - أي محتلم - دينارا رواه أبو داود وغيره . ويسن للامام أن يشاحح غير الفقير عند
العقد في قدر ما يعقد به ، بأن يقول للمتوسط لا أعقد إلا بدارين ، وللموسر لا أعقد إلا بأربعة دنانير . ويسن للامام أيضا
أن يشرط عليهم الضيافة لمن يمر عليهم من المسلمين المجاهدين وغيرهم . ويتضمن عقد الجزية أربعة أشياء : أحدها :
أن يؤدوا الجزية بالذلة والصغار . ثانيها : أن تجري عليهم أحكام المسلمين فيضمنون ما يتلفونه عليهم من نفس ومال .
ثالثها : أن لا يذكروا الاسلام إلا بخير . رابعها : أن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين ، كرفع بناء لهم علي بناء جار
مسلم ، وكإيوائهم من يطلع على عورات المسلمين ، وكدلالتهم أهل الحرب على عورة لنا ، وكدعائهم مسلما للكفر ،
وكزنا ذمي بمسلمة ، فإن فعلوا ذلك انتقض عهدهم . ويجب على الامام إذا اختلطوا بنا أن يأمرهم بلبس الغيار ، وهو تغير
اللباس ، بأن يخيط الذمي على ثوبه شيئا يخالف لون ثوبه ، وشد الزنار - وهو خيط غليظ يشد في الوسط فوق الثياب -
وبغير ذلك مما هو مذكور في المطولات . والله سبحانه وتعالى أعلم .
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 29 .