تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعانة الطالبين — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الثاني قوله عليه السلام : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الايمان وفي رواية أخرى : ليس وراء ذلك - يعني الانكار بالقلب - من الايمان مثقال ذرة وقوله عليه الصلاة والسلام : ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر . ( قوله : أي واجبات الخ ) تفسير للمعروف : أي أن المراد به شيئان واجبان ، الشرع والكف عن محرماته . ( وقوله : فشمل ) أي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو تفريع على تفسيره المعروف بما ذكر . وبيان ذلك أنه إذا أريد بالمعروف ما يشمل الكف عن المحرم ، وأريد من الامر الامر اللغوي ، وهو الطلب سواء عبر عنه بصيغة الامر الاصطلاحي ، أو بصيغة النهي ، صدق ذلك بالنهي عن المنكر . إذ هو طلب الكف عن المحرم . والقصد من ذلك كله دفع ما يرد على اقتصاره على الامر بالمعروف ، من أن مقتضاه أن النهي عن المنكر ، ليس من فروض الكفاية ، مع أنه منها . وحاصل الجواب أن عبارته صادقة به أيضا ، فلا إيراد . ( قوله : لكن محله ) أي محل وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . ( وقوله : مجمع عليه ) صفة لكل من واجب ومن حرام ، والمجمع عليه منهما هو ما علم وجوبه بالنسبة للأول ، وتحريمه بالنسبة للثاني من الدين بالضرورة . والأول : كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك ، والثاني : كالزنا واللواط وشرب الخمر . وخرج بالمجمع عليه المختلف فيه منهما ، فليس القيام به من فروض الكفاية ، فلا يأمر الشافعي الحنفي بالبسملة في الفاتحة ، كما أنه لا ينهى المالكي عن استعمال الماء القليل الواقع فيه نجاسة لم تغيره ، ولا يرد حد الشافعي حنفيا شرب نبيذا يري إباحته لضعف أدلته ، ولان العبرة بعد الرفع للقاضي باعتقاده فقط . ( قوله : أو في اعتقاد الفاعل ) معطوف على مجمع عليه : أي أو واجب أو حرام في اعتقاد الفاعل ، فله أن يأمر به أو ينهى عنه ، وإن كان على خلاف اعتقاده . قال في النهاية : ولا ينكر العالم مختلفا فيه ، حتى يعلم من فاعله اعتقاد تحريمه له حال ارتكابه ، لاحتمال أنه حينئذ قلد القائل بحله أو أنه جاهل بحرمته ، أما من ارتكب ما يرى إباحته بتقليد صحيح ، فلا يحل الانكار عليه . اه‍ . ( قوله : والمخاطب به ) أي بالامر بالمعروف الشامل للنهي عن المنكر ( قوله : لم يخف الخ ) قال في الروض وشرحه : ولا يسقط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلا لخوف منهما على نفسه أو ماله أو عضوه أو بضعه ، أو لخوف مفسدة على غيره أكثر من مفسدة المنكر الواقع ، أو غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا . اه‍ . ( قوله : وإن علم عادة الخ ) غاية لقوله والخاطب به كل مكلف : أي هو مخاطب بما ذكر ، وإن علم عادة أن أمره أو نهيه لا يفيد المأمور أو المنهي شيئا . قال في الروض وشرحه : ولا يختص الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمسموع القول ، بل عليه - أي على كل مكلف - أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، فلا يسقط ذلك عن المكلف بهذا العلم ، لعموم خبر : من رأى منكم الخ ، ولا يشترط في الآمر والناهي كونه ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه ، بل عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره ، فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر . اه‍ . ( قوله : بأن يغيره ) تصوير للنهي عن المنكر المندرج تحت الامر بالمعروف . وعبارة فتح الجواد بعد قوله والمخاطب به الخ : فعليه إنكاره حينئذ بأن يغيره الخ . اه‍ . ( قوله : بكل طريق أمكنه ) أي بكل شئ ممكن له يزيل به المنكر . ( وقوله : من يد الخ ) بيان للطريق ( وقوله : فاستغاثة بالغير ) أي يستغيث بغيره لأجل أن يعينه على إزالة المنكر . ( قوله : فإن عجز ) أي عن تغيير بيده الخ . ( وقوله : أنكره بقلبه ) قال في التحفة . تنبيه : ظاهر كلامهم أن الأمر والنهي بالقلب من فروض الكفاية ، وفيه نظر ظاهر ، بل الوجه أنه فرض عين ، لان المراد منهما به الكراهة والانكار به ، وهذا لا يتصور فيه أن يكون إلا فرض عين . فتأمله فإنه مهم نفيس . اه‍ .
إعانة الطالبين — صفحة 208 | البكري الدمياطي