الثاني قوله عليه السلام : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف
الايمان وفي رواية أخرى : ليس وراء ذلك - يعني الانكار بالقلب - من الايمان مثقال ذرة وقوله عليه الصلاة والسلام :
ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر .
( قوله : أي واجبات الخ ) تفسير للمعروف : أي أن المراد به شيئان واجبان ، الشرع والكف عن محرماته . ( وقوله :
فشمل ) أي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو تفريع على تفسيره المعروف بما ذكر . وبيان ذلك أنه إذا أريد
بالمعروف ما يشمل الكف عن المحرم ، وأريد من الامر الامر اللغوي ، وهو الطلب سواء عبر عنه بصيغة الامر
الاصطلاحي ، أو بصيغة النهي ، صدق ذلك بالنهي عن المنكر . إذ هو طلب الكف عن المحرم . والقصد من ذلك كله
دفع ما يرد على اقتصاره على الامر بالمعروف ، من أن مقتضاه أن النهي عن المنكر ، ليس من فروض الكفاية ، مع أنه
منها . وحاصل الجواب أن عبارته صادقة به أيضا ، فلا إيراد . ( قوله : لكن محله ) أي محل وجوب الامر بالمعروف والنهي
عن المنكر . ( وقوله : مجمع عليه ) صفة لكل من واجب ومن حرام ، والمجمع عليه منهما هو ما علم وجوبه بالنسبة
للأول ، وتحريمه بالنسبة للثاني من الدين بالضرورة . والأول : كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك ، والثاني : كالزنا
واللواط وشرب الخمر . وخرج بالمجمع عليه المختلف فيه منهما ، فليس القيام به من فروض الكفاية ، فلا يأمر الشافعي
الحنفي بالبسملة في الفاتحة ، كما أنه لا ينهى المالكي عن استعمال الماء القليل الواقع فيه نجاسة لم تغيره ، ولا يرد حد
الشافعي حنفيا شرب نبيذا يري إباحته لضعف أدلته ، ولان العبرة بعد الرفع للقاضي باعتقاده فقط . ( قوله : أو في اعتقاد
الفاعل ) معطوف على مجمع عليه : أي أو واجب أو حرام في اعتقاد الفاعل ، فله أن يأمر به أو ينهى عنه ، وإن كان على
خلاف اعتقاده . قال في النهاية : ولا ينكر العالم مختلفا فيه ، حتى يعلم من فاعله اعتقاد تحريمه له حال ارتكابه ،
لاحتمال أنه حينئذ قلد القائل بحله أو أنه جاهل بحرمته ، أما من ارتكب ما يرى إباحته بتقليد صحيح ، فلا يحل الانكار
عليه . اه . ( قوله : والمخاطب به ) أي بالامر بالمعروف الشامل للنهي عن المنكر ( قوله : لم يخف الخ ) قال في الروض
وشرحه : ولا يسقط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلا لخوف منهما على نفسه أو ماله أو عضوه أو بضعه ، أو لخوف
مفسدة على غيره أكثر من مفسدة المنكر الواقع ، أو غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا . اه . ( قوله : وإن
علم عادة الخ ) غاية لقوله والخاطب به كل مكلف : أي هو مخاطب بما ذكر ، وإن علم عادة أن أمره أو نهيه لا يفيد المأمور
أو المنهي شيئا . قال في الروض وشرحه : ولا يختص الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمسموع القول ، بل عليه - أي
على كل مكلف - أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، فلا يسقط ذلك عن المكلف
بهذا العلم ، لعموم خبر : من رأى منكم الخ ، ولا يشترط في الآمر والناهي كونه ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه ، بل
عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره ، فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر . اه . ( قوله : بأن يغيره ) تصوير للنهي عن المنكر
المندرج تحت الامر بالمعروف . وعبارة فتح الجواد بعد قوله والمخاطب به الخ : فعليه إنكاره حينئذ بأن يغيره الخ . اه .
( قوله : بكل طريق أمكنه ) أي بكل شئ ممكن له يزيل به المنكر . ( وقوله : من يد الخ ) بيان للطريق ( وقوله : فاستغاثة
بالغير ) أي يستغيث بغيره لأجل أن يعينه على إزالة المنكر . ( قوله : فإن عجز ) أي عن تغيير بيده الخ . ( وقوله : أنكره
بقلبه ) قال في التحفة .
تنبيه : ظاهر كلامهم أن الأمر والنهي بالقلب من فروض الكفاية ، وفيه نظر ظاهر ، بل الوجه أنه فرض عين ، لان
المراد منهما به الكراهة والانكار به ، وهذا لا يتصور فيه أن يكون إلا فرض عين . فتأمله فإنه مهم نفيس . اه .
إعانة الطالبين — صفحة 208
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٢٠٨