( قوله : هو ) أي الجهاد فرض كفاية ، أما كونه فرضا فبالإجماع . وأما كونه على الكفاية فلقوله تعالى : * ( لا يستوي
القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم
وأنفسهم على القاعدين درجة ، وكلا وعد الله الحسنى ) * ففاضل بين المجاهدين والقاعدين ، ووعد كلا الحسنى وهي
الجنة ، والعاصي لا يوعد بها . ولا يفاضل بين مأجور ومأزور . وقال تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) * أي
ومكثت طائفة * ( ليتفقهوا ) * أي الماكثون * ( في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) * فحثهم على أن تنفر طائفة فقط .
فدل ذلك على أن الجهاد فرض كفاية ، لا فرض عين . ( قوله : كل عام ) أي لفعله ( ص ) إياه كل عام منذ أمر به ، وكإحياء
الكعبة فإنه فرض كفاية في كل عام . ( وقوله : ولو مرة ) أي ولو فعل في كل عام مرة ، فإنه يكفي ، والمرة في الجهاد هي
أقله . وعبارة المغني : أقل الجهاد مرة في السنة كإحياء الكعبة ، ولقوله تعالى : * ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو
مرتين ) * . قال مجاهد : نزلت في الجهاد ، ولان الجزية تجب بدلا عنه ، وهي واجبة في كل سنة ، فكذا بدلها ، فإن زاد
على مرة فهو أفضل . وتحصل الكفاية بأن يشحن الامام الثغور بمكافئين للكفار ، مع إحكام الحصون والخنادق وتقليد
الامراء ، أو بأن يدخل الامام أو نائبه دار الكفر بالجيوش لقتالهم ، ووجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد : إذ
المقصود بالقتال إنما هو الهداية ، وما سواها من الشهادة . وأما قتل الكفار فليس بمقصود ، حتى لو أمكن الهداية بإقامة
الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد . اه . بحذف . ثم إن محل الاكتفاء فيه بمرة إذا لم يحتج إلى زيادة ، احتيج إليها ،
زيد بقدر الحاجة . ( قوله : إذا كان الخ ) قيد لكونه فرض كفاية : أي أنه فرض كفاية في كل عام إذا كان الكفار حالين في
بلادهم لم ينتقلوا عنها . ( قوله : ويتعين ) أي الجهاد ، أي يكون فرض عين ، والملائم أن يقول وفرض عين الخ . ( وقوله :
إذا دخلوا بلادنا ) أي بلدة من بلاد المسلمين ومثل البلدة القرية وغيرها . ( قوله : كما يأتي ) أي في المتن في قوله وإن
دخلوا بلدة لنا تعين الخ . ( قوله : وحكم فرض الكفاية ) أي مطلقا جهادا كان أو غيره . ( قوله : أنه إذا فعله من فيهم كفاية )
أي لمقاومة الكفار ، وإن لم يكونوا من أهل فرض الجهاد ، كالصبيان والمجانين والنساء ، وذلك لأنه أقوى نكاية في الكفار
( وقوله : سقط الحرج ) أي الاثم ( وقوله : عنه ) أي عن الفاعل إن كان من أهله . ( وقوله : وعن الباقين ) أي الذين لم
يفعلوا الجهاد لحصول الكفاية بفعل من فيه كفاية ( قوله : ويأثم الخ ) داخل في حكم فرض الكفاية . ( وقوله : من لا عذر
له من المسلمين ) فإن كان به عذر فلا يأثم . ( وقوله : إن تركوه ) أي كلهم . ( وقوله : وإن جهلوا ) أي يأثمون بالترك ، وإن
كانوا جاهلين بفرضية الجهاد عليهم . قال في التحفة : أي وقد قصروا في جهلهم به ، أخذا من قولهم لتقصيرهم ، كما لو
تأخر تجهيز ميت بقرية : أي ممن تقضي العادة بتعهده ، فإنه يأثم وإن جهل موته ، لتقصيرهم بعدم البحث عنه . اه .
( قوله : وفروضها ) أي الكفاية كثيرة ، ولما كان شأن فروض الكفاية مهما لكثرتها وخفائها ، ذكر جملة منها هنا . ( قوله :
كقيام بحجج دينية ) أي وقيام بحل مشكلة في الدين ، وإنما كان ما ذكر من فروض الكفايات لتندفع الشبهات ، وتصفو
الاعتقادات عن تمويهات المبتدعين ، ومعضلات الملحدين ، ولا يحصل كمال ذلك إلا بإتقان قواعد علم الكلام ،
المبنية على الحكميات والإلهيات . ومن ثم قال الامام : لو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الاسلام ، لما أوجبنا
التشاغل به ، وربما نهينا عنه - أي كما جاء عن الأئمة كالشافعي ، بل جعله أقبح مما عدا الشرك . فأما الآن - وقد ثارت
البدع ولا سبيل إلى تركها تلتطم - فلا بد من إعداد ما يدعي به إلى المسلك الحق ، وتحل به الشبهة فصار الاشتغال بأدلة
المعقول ، وحل الشبهة من فروض الكفايات ، وأما من استراب في أصل من أصول الاعتقاد فيلزمه السعي في إزالته ،
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 95 .
( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 122 .
( 3 ) سورة التوبة ، الآية : 122 .