في المصحف ؛ لأنها لم تأت على التواتر وإنّما جاء بها الآحاد ، والواحد قد يغلط فيما ينقله ، ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرّر بنفسه من أهل الخلاف وأغرى به الجبارين ، وعرّض نفسه للهلاك . فمنعونا عليهم السّلام من قراءة ( القرآن ) بخلاف ما أثبت بين الدفتين ، لما ذكرنا ) ( 1 ) انتهى كلامه زيد إكرامه ، وهو جيد متين وجوهر ثمين .
وعمدة أدلة المانعين لذلك هو أنه على تقدير الحذف والتغيير لا يبقى لنا اعتماد على شيء من ( القرآن ) ؛ إذ على هذا يحتمل أن تكون كل آية منه محرفة ومغيّرة ، ويكون على خلاف ما أنزل اللَّه ، فلم يبق لنا في ( القرآن ) حجة أصلا ، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه ، والوصية بالتمسك به ، إلى غير ذلك .
وأيضا قال اللَّه عزّ وجلّ * ( وإِنَّه لَكِتابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه ) * ( 2 ) ، وقال * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * ( 3 ) . فكيف يتطرّق إليه التحريف والتغيير ؟ ! وأيضا قد استفاض عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمّة - صلوات اللَّه عليهم - حديث عرض الخبر المروي على ( كتاب اللَّه ) ؛ ليعلم صحته بموافقته له ، وفساده بمخالفته ( 4 ) ، فإذا كان ( القرآن ) الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض ؟ مع أن خبر التحريف مخالف ل ( كتاب اللَّه ) مكذب له ، فيجب ردّه والحكم بفساده وتأويله .
قال المحدّث الكاشاني في تفسيره ( الصافي ) - بعد ذكر جملة وافرة من الأخبار الدالة على التحريف ، وإيراد هذا الكلام الذي ذكرناه إشكالا على الأخبار المذكورة - ما صورته : ( ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال - والعلم عند اللَّه - أن
هامش
( 1 ) المسائل السروية ( ضمن سلسلة مؤلَّفات الشيخ المفيد ) 7 : 78 - 82 .
( 2 ) فصّلت : 41 - 42 .
( 3 ) الحجر : 9 .
( 4 ) تفسير العياشي 1 : 19 - 20 .