ثانياً : الإعداد النوعي
وهو إعداد لا يقوم به شخص معيّن بأن يجعل أحد كلاميه قرينة على تعيين مراده من الآخر ، وإنّما يقوم به العرف والعقلاء ، وحيث إنّ المتكلّم الذي صدر منه الكلامان متكلّم عرفيّ ويجري في محاوراته وفق طريقة العرف ، فما يوجد عندهم من قرائن على تقديم أحد الكلامين على الآخر يوجد عند هذا الإنسان المتكلِّم أيضاً .
فمن القواعد العامّة هي أنّ أبناء العرف إذا رأوا كلامين متعارضين وكان أحدهما نصّاً في المطلوب والآخر ظاهراً فيه ، أو كان أحدهما أقوى ظهوراً والآخر أضعف ، فإنّهم يقومون بتفسير الظاهر والأقلّ ظهوراً بما ينسجم مع النصّ والأقوى ظهوراً ، ومن هذا القبيل تقديم الدليل الخاصّ على العامّ ، فلو قال آمر لخادمه : « أكرم كلّ عالم » ، ثمّ قال : « لا تكرم العالم الفاسق » ، فمن الواضح أنّ الكلام الأوّل يشمل جميع العلماء حتّى الفاسق منهم ، ولكن الكلام الثاني أخرج العالم الفاسق عن وجوب الإكرام ، والعرف يفهم في المحصّلة إخراج الفاسق من وجوب الإكرام ؛ لأنّ دليل إخراجه خاصّ وفيه تنصيص وصراحة بإخراجه ، بينما شمول عموم الدليل الأوّل لإكرامه يكون بنحو الظهور لا الصراحة ، والنصّ يقدّم على الظاهر في نظر العرف ، وهكذا الحال في كل كلامين متعارضين يكون أحدهما أقوى ظهوراً من الآخر فإنّ تقديم الأقوى ممّا لا شكّ فيه في نظره .
ولا يخفى أنّ تقديم النصّ على الظاهر ، والخاصّ على العامّ ، وكلّ ما هو أقوى ظهوراً على غيره ، ليس بإعداد شخصيّ بل بإعداد نوعيّ عرفيّ ، ولذا سمّي هذا النوع من قرينيّة أحد الكلامين على تعيين المراد من الآخر ب « الإعداد النوعي » .