الثاني : أن يكون الكلام الثاني ناظراً إلى الكلام الأوّل بلسان التصرّف في محمول القضيّة المبيّنة فيه ، كما في قول الشارع : « لا ضرر في الإسلام » ، فإنّه ناظر إلى الأحكام الشرعيّة الأوّلية ورافع للحكم فيها إذا كان مستلزماً للضرر ، فإنّ معنى « لا ضرر في الإسلام » هو لا حكمَ ضرريَّ في الإسلام ، وهذا إنّما يكون له معنى فيما إذا كانت هناك أحكام في الشريعة ، وإلّا فلا يكون له معنى ؛ إذ يصبح من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع ، فقول الشارع : « لا ضرر . . » إذاً ناظر إلى تلك الأحكام ونافٍ لوجودها عند الضرر ويجعل من تشريعها ثابتاً في غير تلك الحالة . فمثلاً : قوله تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) * ( 1 ) يوجب الوضوء على المكلّف ، ولكن إذا كان استعمال الماء مستلزماً للضرر على المكلّف ، لا يكون الوضوء واجباً وينتقل حكمه إلى التيمّم ، ودليله قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » ( 2 ) . وبعبارة واضحة : إذا أردنا صياغة مفاد الآية الكريمة في قضيّة مركّبة من موضوع ومحمول لكان : « الوضوء واجب » ويكون قول الشارع « لا ضرر » ناظراً إلى المحمول ، ويجعل من وجوب الوضوء ثابتاً في غير حالة الضرر . ولك أن تسأل : هل الأمر كذلك في جميع أحكام الشريعة ، بمعنى أنّ « لا ضرر » يكون نافياً لها عند الضرر ؟
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 300
مساهمون: علاء السالم
ص٣٠٠
هامش
( 1 ) المائدة : 6 .
( 2 ) الفقيه : ج 4 ، ص 243 ، ح 777 ؛ وسائل الشيعة : ج 26 ، ص 14 ، أبواب موانع الإرث ، ب 1 ، ح 10 .