وهذا الوجه - كسابقه - مخدوش أيضاً ؛ لأنّ دعوى المنافاة إنّما تكون صحيحة فيما إذا كان الترخيص واقعيّاً كأن يقال للمكلّف : أنت مرخّص في ترك الواجب الواقعي المعلوم إجمالاً ، إذ بناءً على ذلك تكون صلاة الظهر متّصفة بالوجوب الواقعي - فيما إذا انطبق الجامع المعلوم عليها - وبالإباحة والترخيص الواقعي أيضاً ، والوجوبُ والإباحةُ حكمان واقعيّان متضادّان ولا يمكن أن يتّصف بهما شيء واحد في وقت واحد .
إلّا أنّ الترخيص ليس كذلك ، بل هو ترخيص ظاهريّ بمعنى أنّه مجعول في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي في حالة كون المكلّف شاكّاً في الحكم الواقعي في ذلك الطرف ، والترخيص بهذا المعنى أمر ممكن ولا محذور ثبوتيّ فيه ، إذ لا منافاة بين كون الشيء واجباً واقعاً وبين ورود الترخيص الشرعي الظاهري في تركه في حالة الشكّ ، فإنّ التضادّ المذكور بين الأحكام التكليفيّة إنّما هو فيما لو كانت واقعيّة ، وأمّا إذا كان أحدهما واقعيّاً والآخر ظاهريّاً فلا تضادّ ولا منافاة بينهما ، وعلى هذا الأساس عقد الأصوليّون بحثاً معمّقاً أوضحوا فيه كيفيّة الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهرية .
فتحصّل ممّا قدّمنا : أنّ القول باستحالة الترخيص في المخالفة القطعيّة غير صحيح ، والصحيحُ إمكانه ثبوتاً ؛ لبطلان وجهي الاستحالة .
إلّا أنّ ذلك يبقى مجرّد بحث في عالم الإمكان والثبوت ولابدّ من طرحه على مائدة البحث مرّةً أخرى بلحاظ عالم الوقوع ، فربّ شيء ممكن ثبوتاً إلّا أنّه غير واقع في الخارج ، وهو البحث التالي .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 25
مساهمون: علاء السالم
ص٢٥