تقدّم منه عند بيان مسلكه أنّ حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية حكمان معلّقان على عدم ورود ترخيص من الشارع - فلا يتمّ الوجه المذكور ؛ إذ لا توجد منافاة بين ورود الترخيص الشرعي في كلّ الأطراف وبين الحكم العقلي ، بل يكون الترخيص رافعاً لموضوعه ؛ لأنّ المفروض أنّه معلّق على عدم ورود الإذن الشرعي ، وبوروده يرتفع موضوع حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة ، فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ صاحب الحقّ لو أراد أن يرخّص في ترك حقّه فله ذلك وليس لأحد إجباره على وجوب الأخذ بحقّه .
وبذلك يظهر بطلان الوجه الأوّل بالرغم من اشتهاره في ألسنة الأصوليّين كصاحب الكفاية والمحقّق الأصفهاني وغيرهما من المحقّقين .
الوجه الثاني : إنّ القول بإمكان جريان البراءة في كلّ الأطراف ينافي الوجوبَ الواقعيَّ المعلوم بالإجمال ، فإنّ المكلّف - حسب الفرض - يعلم إجمالاً بوجود وجوب واقعيّ في ذمّته وهو الظهر أو الجمعة في المثال المتقدّم ، وإجراء البراءة في الطرفين معاً ينافي الوجوب الواقعي المعلوم بالإجمال ، ومن الواضح أنّ صلاة الظهر - مثلاً - لا يمكن أن تتّصف بكونها واجباً يجب الإتيان به وبكونها حكماً مرخّصاً فيه ويجوز للمكلّف أن يتركه ؛ إذ إنّ الأحكام التكليفيّة متضادّة فيما بينها - كما مرّ في بداية هذه الحلقة - والجمع بين الضدّين أمر محال .
وفرق هذا الوجه عن سابقه ، أنّه يقول بوجود المنافاة بين الترخيص في المخالفة القطعيّة والوجوب الواقعي المعلوم بالإجمال ، في حين إنّ الوجه السابق يقول بوجود المنافاة بين الترخيص المذكور وحكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 24
مساهمون: علاء السالم
ص٢٤