أذهانهم ليتسنّى لهم ترتيب الأثر عليه ، وأمّا إذا كان التعليل بأمر مبهم وخاصّ ولم يكن مرتكزاً في أذهانهم فسيفقد قيمته ويكون ذكره لغواً . فلو فرضنا أنّ المقصود من الحموضة في الدليل ليست هي المركوزة لدى العقلاء وإنّما هي حموضة خاصّة في الرمّان ، لما كان هناك فائدة من ذكرها ولكانت لغواً .
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نأتي إلى تطبيقها على محلّ الكلام فنقول : إنّنا لو حملنا اليقين في قوله ( عليه السلام ) : « فإنّه على يقين من وضوئه » على اليقين بالوضوء فقط فستكون تعليلاً بأمر خاصّ غير واضح عند العقلاء ؛ إذ يكون المعنى أنّ اليقين بالوضوء لا ينبغي نقضه بالشكّ ، أمّا لماذا يكون حال اليقين بالوضوء كذلك فهو أمرٌ مبهم لدى العرف ويجب على المكلّف امتثال أمر الشارع تعبّداً ، وهذا ما يُفقد التعليل قيمته كما أسلفنا ، بخلاف ما لو حملناه على طبيعيّ اليقين ، بمعنى أنّ كلّ يقين بشيء سابقاً - وضوءاً كان أو غيره - لا ينبغي نقضه بالشكّ ، فإنّ هذا أمر مركوز لدى العرف .
ثمّ إنّنا بمناسبات الحكم والموضوع نقول : إنّ ذكر الوضوء في الصحيحة من باب المثال ليس إلّا ، وإلّا فحالُ كلّ يقين لو شكّ فيه حالُ الوضوء بلا فرق . فلو فرض أنّ الإمام ( عليه السلام ) أجاب عن سؤال حول نجاسة ماء الكوز عند وقوع قطرة دم فيه ، فهذا لا يعني أنّ للكوز موضوعيّة في سؤال السائل وجواب الإمام ( عليه السلام ) ، بل هو مجرّد مثال فقط ، والوضوء في الصحيحة من هذا القبيل .
إذاً ، بقرينة مناسبات الحكم والموضوع وبضميمة أنّ التعليل لابدّ وأن يكون بأمر عرفيّ مركوز في الأذهان ، نحمل اليقين والشكّ المذكورين في كبرى الصحيحة « ولا تنقض اليقين بالشكّ » على اليقين والشكّ المطلق ،
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 156
مساهمون: علاء السالم
ص١٥٦