تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
بسبب حجّية الحالة السابقة في إثبات البقاء تعبّداً كما هو مفاد الاستصحاب ليقال بدلالة السيرة العقلائية على حجّية الاستصحاب ، بل لعلّ عملهم ببقاء الحالة السابقة راجع إلى أحد أمرين : الأوّل : الألفة والعادة ، كما ذكرناه سابقاً ، إذ إنّ الإنسان إذا ألِف شيئاً واعتاد عليه غفل عن احتمال ارتفاعه ، ففي مثال عودة المرء إلى بيته تكون الألفة والعادة موجبة لغفلته عن احتمال التغيّر والخراب ، لا لأجل حجّية العمل بالحالة السابقة . الثاني : الاطمئنان بالبقاء ، أي أنّ العقلاء إنّما يعملون بالحالة السابقة ويرتّبون الأثر عليها لأجل الاطمئنان الحاصل لديهم ببقاء الحالة السابقة ، ومن ثمّ تكون السيرة دليلاً على حجّية الاطمئنان لا الاستصحاب الذي يفيد الظنّ بالبقاء تعبّداً . ومراجعة دقيقة لسيرة العقلاء تؤيّد ما ذكرناه ، فإنّ التاجر - مثلاً - إذا أراد إرسال مال إلى التاجر الآخر الذي كان قد تعامل معه سابقاً ، إنّما يقوم بإرساله لأجل اطمئنانه بوجوده ، لا لأجل استصحاب الحالة السابقة ، فربما لو شكّ في وجوده لموت أو غيره لما أرسل المال إليه ، والذي يفيدنا في سيرة العقلاء لإثبات حجّية الاستصحاب هو قيامها مع وجود الشكّ في البقاء ، والحال أنّ قيامها على ذلك غير معلوم . فاتّضح أنّ قيام السيرة العقلائية على حجّية الاستصحاب والعمل بالحالة السابقة مطلقاً غير صحيح . نعم ، قد يعمل العقلاء بها ولكنّه من باب الألفة والعادة أو الاطمئنان بالبقاء ، مع أنّ الذي يفيدنا في المقام هو القول بجريان السيرة على العمل بالحالة السابقة حتّى مع الشكّ في البقاء لكاشفيّتها عن البقاء ، وهو ما لم يثبت قيام السيرة عليه .