إن قلت : لعلّ قيام السيرة العقلائية على العمل بالظنّ بالبقاء ليس من باب كاشفيّة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء ، وإنّما من باب التعبّد ، فلا يتمّ الاستشهاد بها على الصغرى .
قلت : إنّ العقلاء عندما يبنون على شيء يبنون عليه لأجل نكتة كاشفة لا لأجل التعبّد ، كما في خبر الثقة فإنّهم يعملون به لأجل كاشفيّته عن الواقع غالباً ، وحالهم في المقام كذلك ، فإنّهم لا يعملون بالحالة السابقة تعبّداً ، بل لأجل كاشفيّتها وإفادتها للظنّ بالبقاء .
هذا ، ولكن أصل الاستشهاد بالسيرة على إفادة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء غير صحيح ؛ لوجهين :
الأوّل : إنّا لا نسلّم قيام مثل هذه السيرة العقلائية على العمل بالحالة السابقة وإفادتها للظنّ بالبقاء .
الثاني : لو تنزّلنا وقلنا بوجودها ، فإنّ النكتة فيها ليست كاشفيّة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء ، وإنّما هي الألفة والعادة ، فإنّ الإنسان إذا ألِفَ شيئاً واعتاد عليه وصار أكثر التصاقاً به واحتياجاً إليه حدث عنده الظنّ ببقاء الحالة السابقة ، بخلاف ما لو لم يألفه ولم يكن معتاداً عليه ومحتاجاً إليه .
وبهذا يظهر أنّ الظنّ ببقاء الحالة السابقة عند العقلاء مرتبط قوّةً وضعفاً بالأمور المذكورة من الألفة والعادة ، لا أنّ عملهم بالحالة السابقة وترتيب الأثر عليها راجع إلى نكتة كشفها وإفادتها بنفسها للظنّ بالبقاء . والشاهد عليه وجود مثل هذا الجري عند الحيوان ، فإنّه الآخر يرتّب الأثر على الحالة السابقة ، حيث إنّه يعود إلى نفس الدار التي خرج منها للرعي بعد إتمام رعيه ، ومن الواضح أنّ نكتة الكشف لا يعقل تصوّرها في الحيوان ، فهو يعمل بالحالة السابقة لأجل أُلفته وعادته الناشئة من الذهاب
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 122
مساهمون: علاء السالم
ص١٢٢