بعبارة أخرى : إنّ المقام - في المثال الأوّل - يكون من قبيل دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر غير الارتباطيّين ، كما لو علم إنسان بأنّه مدين لآخر بمبلغ ماليّ ، وشكّ في كونه عشرة دنانير أو تسعة ، فإنّه في مثل هذه الحالة يقطع بمديونيّته بالتسعة ويشكّ في مديونيّته بالعاشر ، ولا إشكال في جريان البراءة عنه ، والمثال الأوّل من هذا القبيل .
أمّا المثال الثاني ، فإنّ الإطلاق فيه إطلاق بدليّ ، بمعنى أنّ الشارع أوجب الغسل بالماء بنحو صرف الوجود وبما يصدق عليه ماء ، وليس المطلوب منه الغسل بكلّ فرد من أفراد الماء ، فالوجوب إذاً وجوب واحد .
وعليه ، لو غسل بالفرد الذي يعلم أنّه ماء فقد امتثل قطعاً ، وأمّا لو غسل بمشكوك المائيّة ، فلا يحصل الجزم بحصول الامتثال ، ويكون الشكّ عندئذ شكّاً في فراغ ذمّته بما اشتغلت به ، لا في دخول شيء في ذمّته كما في المثال السابق ، ومن ثمّ فالأصل الجاري هنا هو الاشتغال ؛ لأنّ الشكّ شكّ في فراغ الذمّة لا في التكليف .
النحو الثالث : أن يشكّ في متعلّق الأمر مع علمه بالتكليف وقيوده ، كما لو قال المولى : « إذا زالت الشمس فصلِّ » ودخل وقت الزوال ، وشكّ في أنّه صلّى أم لا ، فإنّ الشكّ - كما هو واضح - في الامتثال والإتيان بمتعلّق الأمر ، فتجري أصالة الاشتغال .
وهذا الشكّ هو مورد القاعدة الأصوليّة المعروفة : « إنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني » ؛ إذ المفروض أنّ وجوب الصلاة معلوم لدى المكلّف وقيده قد تحقّق ، وبالتالي فهو يعلم باشتغال ذمّته بالصلاة يقيناً ، وإذا أراد إفراغ ذمّته ممّا اشتغلت به فلابدّ من تحصيل اليقين بالامتثال وعدم الاكتفاء بالشكّ .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 377
مساهمون: علاء السالم
ص٣٧٧