والإتيان به ، وهو ما يعبّر عنه في كلام الأصوليّين ب « أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني » ، ومعناها بكلمة واحدة : أنّ المكلّف يجب عليه تحصيل اليقين بفراغ ذمّته ممّا اشتغلت به يقيناً .
فتحصّل : أنّ الشكّ إذا كان في التكليف فهو مجرى لأصالة البراءة ، وإذا كان في المكلّف به فهو مجرى لأصالة الاشتغال والاحتياط .
وهذه قاعدة عامّة لا يختلف عليها اثنان من الأصوليّين ، إنّما الكلام في تحديد المصداق وأنّ هذه الحالة شكّ في التكليف أم في المكلّف به ، ومن الواضح أنّ تحديد المصداق يقع على عاتق الفقيه ، ومهمّة الأصولي تنتهي بإعطاء الضابط والقاعدة التي تبيّن مجرى الأصول ، وأنّ الشكّ إذا كان في التكليف فهو مجرى البراءة ، وإذا كان في المكلّف به فهو مجرى الاشتغال .
الشبهات وضابط جريان البراءة أو الاشتغال
لا يخفى أنّ الشبهات تنقسم إلى قسمين :
الأوّل : الشبهات الحكميّة : وهي الشبهات التي يكون الشكّ فيها شكّاً في التكليف ، كما لو شكّ المكلّف في حرمة شرب الخمر .
الثاني : الشبهات الموضوعيّة : وهي الشبهات التي يكون التكليف فيها معلوماً ، والشكّ يكون في فعليّته وتحقّق موضوعه ، كما لو شكّ في أنّ السائل الذي أمامه خمر ، مع علمه بحرمة شرب الخمر .
وإذا ضممنا الضابط المتقدِّم لجريان أصل البراءة والاشتغال بالنسبة إلى كلا قسمي الشكّ ، فإنّنا نجد أنّ الأصل الجاري في الشبهات الحكمية هو البراءة ؛ باعتبار أنّ الشكّ فيها شكّ في التكليف دائماً ، وأمّا بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة فقد يقال بأنّ التكليف فيها ما دام معلوماً فلا تكون مجرى لأصالة البراءة وإنّما هي مجرى لأصالة الاشتغال ؛ لأنّ الشكّ فيها