الأوّل : جعلهم في قائمة الضالّين ، فإنّ البشريّة تتوزّع على قائمتين : قائمة المستقيمين * ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) * ، وقائمة الضالّين المنحرفين * ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) * ، فالآية - محلّ البحث - تشير إلى أنّ الله تعالى ما كان ليسجّل القوم في قائمة الضالّين عند عدم البيان .
الثاني : نوع من العقاب على الضلال ، كالخذلان والطرد من أبواب رحمة الله تعالى . فأطلق السبب وأراد المسبّب . والمعنى : أنّ الله تعالى لا يخذل قوماً ويطردهم من رحمته إذا ضلّوا وانحرفوا ما لم يبيّن لهم .
وكيف كان فالآية قد علّقت الإضلال الإلهي - بأحد المعنيين السابقين - ببيان ما يتّقون ، وهذا يعني أنّه مع عدم البيان لا يستحقّون العقاب والضلال ، وهو المطلوب .
ولقائل أن يقول : أولستم أشكلتم على الاستدلال بالآية الثانية بأنّ غاية ما تقتضيه هو نفي العقاب في حالة عدم صدور البيان من الشارع لا في حالة صدوره وعدم وصوله ، فنفس هذا الكلام يأتي على الاستدلال بهذه الآية فيقال إنّها ناظرة إلى حالة الصدور لا الوصول .
والجواب : أنّ هذا الإشكال غير وارد هنا ؛ لأنّ الآية قد أضافت البيان للقوم * ( حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ) * وهو ظاهر في وصوله إليهم ، فإذا لم يصل إليهم فلا يستحقّون العقاب والضلال .
الخلاصة
فتلخّص من استعراض الآيات القرآنية المدّعى دلالتها على البراءة الشرعيّة - على مستوى هذه الحلقة طبعاً - تماميّة الاستدلال بالآية الأخيرة