لا عقاب حتّى نبعثَ الرسول .
إن قلت : إنّ الآية وردت في الرسول وإنّ الله تعالى لا يعذّب أحداً من الناس حتّى يرسل إليهم نبيّاً يهديهم ، وأين هذا من محلّ كلامنا الذي نريد فيه إثبات البراءة الشرعيّة وقاعدة قبح العقاب بلا بيان ؟ !
قلت : إنّ الرسول في الآية مثال لمطلق البيان ولم يؤخذ على نحو الموضوعيّة ، فكأنّها تريد أن تقول : ليس من شأنه تعالى أن يعاقب أحداً حتّى يبيّن له الحكم ويصدره إليه ، وهو عبارة أخرى عن قبح العقاب بلا بيان .
ولكن يلاحظ على الاستدلال بالآية أنّها تدلّ على نفي العذاب عند عدم صدور البيان من الشارع ، وما نريد إثباته هو نفي العذاب عن المكلّف عند عدم وصول التكليف إليه ولو كان صادراً من الشارع ، وهو ما لا يمكن لنا إحرازه بالآية ؛ إذ يحتمل أن يكون التكليف صادراً من الشارع ولكنّه لم يصلنا بسبب بُعدنا عن عصر النصّ وضياع كثير من النصوص .
بعبارة أخرى : إنّ الآية تثبت قبح العقاب بلا صدور ، وما نريد إثباته هو قبح العقاب بلا وصول ، إذ إنّ مقتضى البراءة الشرعيّة هو التأمين والسعة من ناحية التكليف المشكوك الذي لم يصل فعلاً وإن كان صادراً ، وهو ما لا تثبته الآية الكريمة .
الآية الثالثة
قوله تعالى : * ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ( الأنعام : 145 .