وتقريب الاستدلال بالآية الكريمة : أنّ الله تعالى علّم رسوله الكريم ( صلى الله عليه وآله ) كيفيّة المحاججة مع اليهود فيما ادّعوه من محرّمات ، بأن يقول لهم : إنّي لا أجد ما ذكرتموه فيما أُوحي إليَّ من محرّمات ، وعدم إيجاده ( صلى الله عليه وآله ) لما ذكروه كافٍ في عدم ثبوت حرمة المذكورات والتأمين من ناحيتها . وإذا ثبت ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فبإمكاننا فعل ذلك أيضاً عند الشكّ في تكليف ما ، فإنّنا نقوم بالبحث عنه فيما بين أيدينا من مصادرنا ، فإن وجدنا دليلاً عليه أخذنا به وإلّا فيكون عدم الإيجاد دليلاً على عدم وجود الحرمة كما علّم المولى تعالى نبيّه الكريم في الآية . إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تامّ ؛ لأنّ عدم وجدان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لحرمة شيء يساوق عدم وجوده واقعاً ، فهو ( صلى الله عليه وآله ) المبيّن للأحكام والسفير بين الله تعالى وخلقه ، ولا يعقل أن لا يكون مطّلعاً عليه ، وليس حالنا كذلك ؛ فإنّ عدم وجداننا لحكمٍ ، لا يساوق عدم وجوده في الواقع . فربما يكون موجوداً واقعاً ولكنّنا لم نقف عليه ؛ لضياعه أو لسبب آخر ، ومن ثمّ لا يكون عدم وجداننا له كافياً في التأمين تجاهه وعدم استحقاق العقاب على مخالفته . الآية الرابعة قوله تعالى : * ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * ( 1 ) . وتقريب الاستدلال بالآية : أنّ الله تعالى ليس من شأنه وطريقته ( 2 ) أن يضلّ قوماً حتّى يبيّن لهم ما يتّقون ، ومعنى إضلال القوم المنسوب إليه عزّ وجلّ أحد أمرين :
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 287
مساهمون: علاء السالم
ص٢٨٧
هامش
( 1 ) التوبة : 115 .
( 2 ) بنفس البيان الذي أشرنا له في الآية الثانية .