بعبارة ثانية : إنّ المنهيّ عنه من تفسير القرآن بالرأي هو ما كان من قبيل الفهم الذاتي وتحميل الآراء الشخصية على القرآن الكريم لنصرة الفكرة المتبنّاة سابقاً ، كما فعل بعض المفسّرين ( 1 ) عندما قام بتفسير آياته من خلال النظريات والعلوم الحديثة ، مع أنّ هذا النوع من التفسير يمسّ إعجاز الكتاب ؛ لأنّه يصاحبه القول ببطلان الآية عند بطلان النظرية المفسّرة بالآية أو تبدّلها كما هو المعتاد في سير العلوم وتطوّرها ، فالقرآن - كما هو معلوم - كتاب هداية للبشر وليس موضوعاً لغرض طرح النظريات العلمية . وأمّا التفسير بالرأي إذا كان موضوعيّاً ويعتمد على قرائن عرفية ونكات وموازين متعارف عليها بين العقلاء فلا بأس به وليس بمنهيّ عنه . وهذه النقطة لم يشر لها السيّد الشهيد ( قدس سره ) واكتفى في جوابه بما ذكرناه في الجواب أوّلاً . الوجه الثاني : لو سلّمنا بأنّ النهي في روايات هذه الطائفة مطلق يشمل العمل بظهور الكتاب ، ولكن مع هذا لا يكون الاستدلال بها على عدم حجّية ظواهر القرآن تامّاً ؛ لأنّنا قد أقمنا سابقاً الدليل على حجّية الظهور بالسيرة العقلائية والمتشرّعية ، والسيرة مطلقة تشمل العمل بالظهور القرآني وغيره . إن قلت : لِمَ لا تكون روايات هذه الطائفة رادعة عن العمل بالسيرة ؟ قلت : إنّها لا تصلح أن تكون رادعة ، أمّا بالنسبة إلى سيرة العقلاء فلأنّ الردع يجب أن يكون متناسباً من حيث الحجم والوضوح مع درجة استحكام السيرة والعمل بها بين العقلاء ، ولمّا كان العمل بظهور الكتاب أمراً منتشراً بينهم فينبغي أن يكون الردع - فيما لو لم تكن سيرتهم مرضيّة
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 405
مساهمون: علاء السالم
ص٤٠٥
هامش
( 1 ) كالطنطاوي في تفسيره ( الجواهر ) والواقع في ( 26 ) مجلّداً .