هذا ما يمكن أن يُقال في تصوير رادعية أدلّة الأصول العملية عن العمل بخبر الواحد . والجواب عن هذا الإشكال كالجواب عن سابقه ؛ إذ بعد أن ثبت قيام السيرة على حجّية الخبر - كما أوضحنا ذلك في النقطة الأولى - لم يبق سوى التوفيق بين قيامها على العمل بالخبر وبين دعوى رادعية أدلّة الأصول ، فتأتي عندئذ الاحتمالات الأربعة المتقدِّمة ، وعلى جميعها لا يكون الردع تامّاً ، كما تقدّم .
النقطة الرابعة : ثبت لدينا إلى هنا قيام السيرة غير المردوع عنها على حجّية الخبر ، ولكن المطلوب وجوده في سيرة العقلاء بالإضافة إلى عدم الردع هو ثبوت الإمضاء ، والسؤال : ما هو الطريق لإثباته ؟
الجواب : إنّ عدم الردع بنفسه يمكن أن يكون كاشفاً عن الإمضاء على أحد أساسين :
الأوّل : الأساس العقلي ، بتصوير أنّ عمل العقلاء بخبر الواحد في أمورهم الحياتية العامّة مستند إلى نكتة مركوزة في أذهانهم ، ومن الطبيعي جدّاً سريانها إلى الشرعيات . فلو لم يكن العمل بالخبر في الشرعيات مرضياً عند المعصوم لردع عنه باعتباره الحافظ لأغراض الشريعة والأمين عليها ، فعدم ردعه مع عدم قبوله لذلك السلوك يعدّ نقضاً لغرضه ، وهو قبيح عقلاً ولا يصدر من المعصوم قطعاً ، ومن ثمّ يكون عدم ردعه دليل على إمضائه .
الثاني : الأساس الاستظهاري ، بتصوير أنّ ظاهر حال المعصوم - بوصفه المسؤول عن تبليغ الشريعة وتقويم الزيغ فيها - عند سكوته وعدم ردعه عن سلوك يواجهه أنّه يرتضي ذلك السلوك ، وإلّا لردع عنه ، فيكون عدم ردعه أيضاً كاشفاً عن إمضائه .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 329
مساهمون: علاء السالم
ص٣٢٩