على التقادير كافّة ، فدلالة الآيات على الردع بعيدة بناءً على الاحتمال الأوّل والثالث ، ومقيّدة بأدلّة حجّية الخبر بناءً على الاحتمال الثاني ، وأجنبية عن المقام بناءً على الاحتمال الرابع ، فتبقى السيرة بعد هذا قائمة على العمل بخبر الواحد وغير مردوع عنها ؛ لأنّه لو ردع عنها لوصل ، وحيث إنّه لم يصل فهو لم يردع إذاً . ونفس هذه الاحتمالات تأتي لدفع إشكال آخر يُثار لتصوير الردع عن السيرة ، مفاده : إنّ السيرة مردوع عنها بأدلّة الأصول العملية كدليل أصالة البراءة مثل قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « وُضع عن أمّتي تسع خصال : الخطأ والنسيان وما لا يعلمون . . . » ( 1 ) ، أو دليل أصالة الحلية مثل قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام » ( 2 ) ، فإنّ ما لا يعلمه المكلّف مرفوع عنه ولا يؤاخذ عليه بمقتضى الحديث الأوّل ، وخبر الواحد ليس بعلم فمفاده مرفوع عن المكلّف ولا يجب الأخذ به ، وكذلك الحال في الحديث الثاني ، فلو أخبر زرارة - مثلاً - بأنّ الخمر حرام فلا يحصل منه العلم بحرمته ، فيبقى تحت المغيّى - أي قوله ( عليه السلام ) : كلّ شيء لك حلال - لأنّ إخباره لا يحقّق الغاية التي أشار لها الحديث ، أي قوله ( عليه السلام ) : « حتّى تعلم » . ويمكن أن يقال أيضاً : إنّ خبر الواحد لمّا كان أمارة ظنّية وليس بقطع وبيان ، فيكون مؤدّاه مشمولاً لقاعدة « قبح العقاب بلا بيان » . وعليه فلو أخبر الثقة بشيء ولم يرتّب المكلّف الأثر عليه فلا يعاقب ؛ لأنّ إخباره ليس بياناً .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 328
مساهمون: علاء السالم
ص٣٢٨
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 463 ، ح 2 ؛ وسائل الشيعة : ج 15 ، ص 370 ، أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، ب 56 ، ح 3 .
( 2 ) الكافي : ج 5 ، ص 313 ، ح 40 ؛ وسائل الشيعة : ج 17 ، ص 89 ، أبواب ما يُكتسب به ، ب 4 ، ح 4 .