وأمّا سكوتُ المعصوم الدالُّ على الإمضاءِ فقد يقالُ : إنّ من الصعوبةِ بمكانٍ الجزمَ به ، إذ كيف نعرفُ أنّه لم يصدُرْ منَ المعصوم ما يدلُّ على الردع عن السيرةِ المعاصرةِ له ، وغايةُ ما نستطيعُ أنْ نتأكّدَ منه هو عدمُ وجودِ هذا الردعِ فيما بأيدينا من نصوصٍ ، غيرَ أنّ ذلك لا يعني عدمَ صدورِه ، إذ لعلّه قد صدرَ ولم يصِلْ .
غيرَ أنّ الطريقةَ التي نتغلّبُ بها على هذه الصعوبة تتمُّ كما يأتي :
نطرحُ القضيةَ الشرطيةَ القائلةَ : لو كانَ قد ردعَ المعصومُ عن السيرةِ لوصلَ إلينا ، والتالي باطلٌ ؛ لأن المفروضَ عدمُ وصول الردعِ ، فالمقدَّمُ مثلُه .
ووجهُ الشرطية : أنّ الردعَ عن سيرةٍ عقلائيةٍ مستحكمةٍ ، لا يتحقّقُ بصورةٍ جادّةٍ بمجرّدِ نهيٍ واحدٍ أو نهيين ، بل يجبُ أن يتناسبَ حجمُ الردعِ مع قوّةِ السيرة وترسّخِها ، فالردعُ إذن يجب أن يتمثّلَ في نواهٍ كثيرةٍ ، وهذه النواهي بنفسِها تخلقُ ظروفاً مناسبةً لأمثالِها لأنّها تُلفتُ أنظارَ الرواةِ إلى السؤالِ ، وتكثرُ الأسئلة والأجوبة ، والدواعي متوفّرةٌ لضبطِ هذهِ النواهي من قِبل الرواةِ ، فيكونُ من الطبيعيِّ أن يصلَ إلينا شيءٌ منها . وفي حالة عدم وصولِ شيءٍ - بالقدرِ الذي تفترضُه الظروفُ المشارُ إليها - نستكشفُ عدمَ صدور الردعِ ، وبذلك يتمُّ كلا الركنين لدليل السيرة .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 273
مساهمون: علاء السالم
ص٢٧٣