نقول : لو أنّ المعصوم ردع عن السيرة لوصل إلينا ردعه ، وحيث إنّه لم يصل فهذا يعني أنّ الردع لم يصدر منه .
والوجه في هذه الشرطية : أنّنا لابدّ من أن نلاحظ السلوك والظاهرة التي يُراد إثبات معاصرتها للمعصوم ، فكلّما كانت السيرة مستحكمة في أذهان العقلاء احتاجت إلى ردع أقوى من الشارع لو فرض عدم رضاه عنها ، ولا يمكن الاكتفاء بنهي واحد أو نهيين ؛ إذ لا يكفي مثل هذا النهي لأن يزعزع استحكام السيرة العقلائية غير المرضية . فمثل العمل بظواهر الكلام لمّا كان سلوكاً اجتماعياً عامّاً وسيرة مستحكمة لموافقتها الطبع العقلائي ، لو فُرض عدم قبول الشارع بها فإنّ عليه الردع عنها بشكل ينسجم مع استحكامها في الأذهان والسلوك ، فيجب أن يكون ردعه بنواهٍ كثيرة ليمكنها أن تقف حاجزاً دون العمل بالظهور ، كما هو الحال في النهي عن القياس ؛ فإنّ القياس لمّا كان موافقاً للطبع العقلائي ولم يرتضه الشارع المقدّس نهى عنه بما يقرب من مئتي رواية تحيّن فيها أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) الفرص والمناسبات للنهي عن هذا السلوك غير المرضيّ والذي تُمحَق به الشريعة ، ولابدّ أن يكون الحال كذلك في كلّ سلوك مستحكم لا يرتضيه الشارع .
بعبارة ثانية : ثمّة تناسب طرديّ بين استحكام السيرة - لو لم تكن مرضية - وكثرة الردع عنها ، فكلّما كانت أكثر استحكاماً كان الردع عنها أقوى .
فإذا فرضنا صدور نهي كثير من المعصوم عن العمل بالظهور ، فإنّ هذا سيكون محفّزاً للسؤال من المعصوم ؛ ذلك لأنّ النهي عن العمل بالظهور يلفت انتباه الرواة - بل جميع الناس - ولا يمكن تقبّله بسرعة ، باعتبار انسياق الطبع العقلائي للعمل به ، وبالتالي سيكون محفّزاً لهم للسؤال من الأئمّة ( عليهم السلام ) عن تلك القضية ، وإذا كثر السؤال سيكثر الجواب تبعاً له ، وبكثرته سيصل لنا قسم منه خصوصاً وأنّ المسألة - كما قلنا - تحتاج إلى ردع
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 275
مساهمون: علاء السالم
ص٢٧٥